كيف حوّلت الدعاية بعض مسارات التصوف إلى صناعة للنجومية الروحية
-
التصوف بين الإخلاص والدعاية.. معركة الروح في زمن "اللايك والشير".. وعندما ينافس عدد المتابعين صدق السالكين
في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات فكرية وثقافية متسارعة، لم يعد الخطر الأكبر على التصوف الإسلامي يأتي من خصومه أو من الحملات التي تستهدفه من الخارج، بل من بعض الممارسات التي نشأت داخل البيت الصوفي نفسه، حيث تحولت بعض مسارات التربية الروحية إلى أدوات للترويج الشخصي وصناعة النجومية الدينية.
فالتصوف الذي تأسس عبر القرون على قيم الزهد والإخلاص ومجاهدة النفس، بات في بعض الحالات يواجه ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ"التسويق الصوفي"، وهي ظاهرة تعتمد على صناعة الصورة الذهنية للشيخ أو الطريقة أو المريد عبر وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يجعل الحضور الإعلامي معيارًا للتأثير، بدلًا من عمق التربية والسلوك.
-
من الخفاء إلى صناعة الصورة
اقرأ أيضاً
حسن محمود حفني يكتب: علمُ التصوف ليس مسؤولًا عن كل ما أُلصق به من ممارسات أو أفكار
أماني أبوالعينين تكتب : المرأة والأسرة بين الوعي والمسؤولية.. كيف نحمي المجتمع من التفكك؟
من حضرة سيدنا النبي محمد ﷺ إلى أهل التربية كيف كان يُبنى الإنسان؟
الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي .. قراءة في أزمة المعنى وعودة الحاجة إلى التربية الروحية
تحت مظلة الأزهر الشريف.. استعدادات مكثفة لافتتاح معهد فتيات بناأبو صير بعد تطويره وتحويله إلى صرح تعليمي متكامل
التصوف الإسلامي في إطار مشروع بِنية الإنسان من إصلاح القلب إلى تحقيق مقام الإحسان .. تربية القلب حتى يعيش مع الله بصدق وبساطة طريق الإحسان
حروب الوعي في عصر الشاشات.. كيف سقطت ماكينة التضليل الإخوانية أمام يقظة المصريين؟
أماني أبوالعينين تكتب : من ميادين القتال إلى مواقع البناء.. الجيش المصري يحمي الأرض والعمال يبنون المستقبل في سيناء
الاختلاف رحمة لا نقمة.. كيف يواجه الإسلام فوضى التنمّر ويحمي تماسك المجتمع؟
من إعلان عابر إلى سؤال الهوية.. كيف تحولت “الأنوثة” إلى سوق يبيع القلق؟
«سلة الأسرة تحت الضغط»: كيف أثرت أسعار الخضروات على ميزانية المواطن المصري؟
الكويت تحيل فؤاد الهاشم إلى النائب العام بعد مقال مسيء لمصر.. القاهرة: الخطأ فردي والعلاقات قوية
عرفت المدارس الصوفية الكبرى عبر تاريخها رجالًا كانوا يفرون من الشهرة، ويعتبرون إخفاء أحوالهم الروحية جزءًا من صدق علاقتهم بالله. وكان كثير من الأولياء والعارفين يكرهون الحديث عن كراماتهم أو مناقبهم، خشية أن تتحول الأنظار إليهم بدلًا من أن تتوجه إلى الله.
أما اليوم، فقد فرض العصر الرقمي معادلات جديدة؛ إذ أصبح لبعض الشخصيات حضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، تُنشر حولهم المقاطع المصورة والمواد الدعائية، وتُتداول القصص والمنامات والحكايات بصورة مكثفة، في محاولة لبناء هالة من التأثير والجاذبية الجماهيرية.
ويرى عدد من الباحثين في الشأن الديني أن المشكلة لا تكمن في استخدام وسائل الإعلام أو التكنولوجيا الحديثة في نشر العلم والدعوة، وإنما في تحول الوسيلة إلى غاية، بحيث تصبح صناعة الصورة أهم من صناعة الإنسان، ويصبح عدد المتابعين معيارًا للنجاح الروحي.
-
وسائل التواصل.. ساحة جديدة للتنافس
ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، ظهرت أنماط جديدة من التفاعل داخل بعض البيئات الدينية، حيث تحولت الصفحات الإلكترونية إلى منصات للدعاية والتنافس على جذب الأتباع، وأصبح المحتوى الذي يثير الانبهار ويحصد المشاهدات أكثر انتشارًا من المحتوى الذي يدعو إلى المحاسبة والمجاهدة وتزكية النفس.
ويؤكد متخصصون في علم الاجتماع الديني أن المجتمعات الرقمية بطبيعتها تمنح الأفضلية للصورة المثيرة والرسالة السريعة، بينما تحتاج التربية الروحية الحقيقية إلى وقت طويل وصبر وممارسة عملية، وهو ما يجعل الخطاب التسويقي أكثر جاذبية للجمهور من الخطاب التربوي العميق.
-
من السلوك إلى الاستهلاك
ومن أبرز التداعيات التي تحذر منها الدراسات المعنية بالحركات الدينية، أن يتحول المريد أو الباحث عن التربية الروحية إلى "مستهلك" للخدمات والخطابات الدينية، بدلًا من أن يكون سالكًا في طريق إصلاح النفس.
فعوضًا عن البحث عن العالم الأكثر علمًا أو الشيخ الأكثر إخلاصًا، يصبح الاهتمام منصبًا على الشخصية الأكثر شهرة، أو المجلس الأكثر ازدحامًا، أو المحتوى الأكثر انتشارًا على الإنترنت. وهنا تنتقل العلاقة من التربية والتوجيه إلى الترويج والانبهار، ومن المجاهدة الداخلية إلى متابعة المشهد الخارجي.
ويشير باحثون إلى أن هذا التحول يؤدي تدريجيًا إلى ضعف الثمار التربوية، حتى وإن اتسعت دوائر الأتباع وارتفعت معدلات الحضور الجماهيري، لأن الأعداد الكبيرة لا تعني بالضرورة نجاحًا في بناء الإنسان أو إصلاح السلوك.
-
أزمة المعنى وسط ضجيج الشهرة
ويرى مراقبون أن إحدى الإشكاليات الكبرى في عصر الإعلام الرقمي تتمثل في تغليب المظهر على الجوهر، حيث أصبحت صناعة المحتوى والصورة العامة جزءًا من معادلة التأثير الديني، الأمر الذي قد يدفع بعض الأشخاص أو المؤسسات إلى التركيز على الحضور الإعلامي أكثر من التركيز على مضمون الرسالة نفسها.
وفي هذا السياق، يؤكد المتخصصون أن قيمة الشيخ أو المربي لا تُقاس بعدد اللافتات التي تحمل اسمه، ولا بحجم التفاعل على صفحاته الإلكترونية، وإنما بما يتركه من أثر حقيقي في أخلاق الناس وسلوكهم واستقامتهم، وبقدر ما يسهم في تهذيب النفوس وتقوية الصلة بالله.
-
بين الدعوة المشروعة والدعاية المفرطة
ولا يعني ذلك رفض الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة أو التقنيات الرقمية في خدمة التصوف ونشر قيمه، فالعصر يفرض أدواته، والتواصل مع الأجيال الجديدة أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها. لكن الفارق يبقى واضحًا بين استخدام الوسائل لخدمة الرسالة، وبين تحويل الرسالة نفسها إلى أداة لخدمة الأشخاص.
فالخطاب الصوفي الأصيل يقوم على تحرير الإنسان من عبودية الهوى والنفس، بينما يؤدي الإفراط في التسويق الشخصي إلى إعادة إنتاج أنماط جديدة من التعلق بالأشخاص والرموز، وهو ما يتعارض مع جوهر التربية الروحية التي تجعل الغاية هي الله وحده.
-
عودة إلى جوهر الطريق
يبقى التحدي الحقيقي أمام المؤسسات والطرق الصوفية في العصر الحديث هو الحفاظ على التوازن بين الاستفادة من أدوات العصر وبين صيانة جوهر الرسالة الروحية. فالتصوف الذي نشأ مدرسةً للأخلاق والتزكية لا ينبغي أن يتحول إلى سوق للمنافسة على الأتباع أو صناعة للمشاهير.
فما يثبت عبر الزمن ليس ضجيج الدعاية ولا بريق الشهرة، بل صدق التجربة وأثرها في بناء الإنسان. وما كان قائمًا على الإخلاص يبقى وإن خفي عن الأضواء، أما ما تأسس على صناعة الصورة وحدها فقد يلمع سريعًا، لكنه يفقد مع الوقت القدرة على إحداث التغيير الحقيقي في النفوس.
وهكذا تظل القضية الأساسية: هل يبقى التصوف طريقًا لتزكية الإنسان وتحريره من سلطان نفسه، أم يتحول إلى ساحة جديدة لصناعة الرموز والنجومية الروحية؟ سؤال يفرض نفسه بقوة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الخطاب الديني في العصر الرقمي.















