الدكتور صلاح سالمان يكتب : التعليم وسوق العمل بين التجربة اليابانية والتجربة المصرية
لم تعد قضية التعليم في العصر الحديث مجرد مسألة تتعلق بعدد المدارس أو الجامعات، بل أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسوق العمل واحتياجات التنمية. فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد قوي لم تفصل يومًا بين التعليم ومتطلبات الإنتاج. ومن أبرز هذه النماذج تجربة اليابان، التي تُعد مثالًا واضحًا على كيفية التخطيط المتوازن بين أعداد الخريجين والتخصصات المطلوبة في سوق العمل.
في اليابان، لا يُترك مسار التعليم للتوسع العشوائي، بل يخضع لتخطيط دقيق يرتبط مباشرة بحاجات الاقتصاد. فالفلسفة السائدة هناك تقوم على أن الهدف الأساسي من التعليم هو تمكين الإنسان من الحصول على فرصة عمل مناسبة. لذلك لا يُنظر إلى الشهادات بوصفها غاية في ذاتها، بل وسيلة للاندماج في سوق العمل والمساهمة في الإنتاج.
ولهذا السبب، إذا تمكن الطالب من الحصول على فرصة عمل مناسبة بعد المرحلة الثانوية او بعد تخرجه من احد المعاهد الفنية المتخصصة، فلا يتردد في الالتحاق بالعمل. أما إذا لم يحصل على فرصة عمل، فإنه يستمر في التعليم الجامعي، وقد يواصل إلى الماجستير أو الدكتوراه حتى يجد فرصة مناسبة. وغالبًا ما يبدأ الطلاب في التقدم للوظائف قبل تخرجهم بعام كامل، حيث تسعى الشركات إلى استقطاب الخريجين مبكرًا.
وقد تجسدت هذه الفلسفة بوضوح في موقف شخصي أتذكره خلال فترة دراستي في اليابان؛ إذ طلب أحد الزملاء اليابانيين في مرحلة الماجستير من المشرف العلمي أن يسمح له بالبقاء عامًا ثالثًا في البرنامج رغم انتهائه من كل المتطلبات. وعندما سألته عن السبب، أجاب بصراحة أنه لم يتمكن من الحصول على فرصة عمل في ذلك العام، ولذلك رأى أن الاستمرار في الدراسة سيكون الخيار الأفضل حتى تتاح له فرصة جديدة في العام التالي. هذا المثال يعكس كيف أن التعليم في اليابان مرتبط عمليًا بسوق العمل، وأن المسار الأكاديمي يتكيف مع الفرص المتاحة في المجتمع.
أما في مصر، فقد شهدت فترات سابقة قدرًا من التنسيق بين التعليم والعمل، خاصة في العقود التي سبقت عهد حسني مبارك. فقد كان نظام التوظيف الحكومي آنذاك يقوم على استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين في المؤسسات الحكومية وقطاعات الدولة المختلفة. وكان من المعتاد أن يحصل من ينهي دراسته الجامعية أو خدمته العسكرية على وظيفة تتناسب مع مؤهله أو إمكاناته، وهو ما وفر قدرًا من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
لكن مع مرور الوقت، ومع تزايد أعداد الخريجين واتساع التعليم الجامعي دون تخطيط كافٍ لاحتياجات السوق، ظهرت فجوة واضحة بين التخصصات الدراسية وفرص العمل المتاحة. فأصبحت بعض التخصصات تُخرج آلاف الخريجين سنويًا دون أن يقابلها طلب حقيقي في سوق العمل، بينما تعاني قطاعات أخرى من نقص في الكفاءات الفنية والتقنية.
إن المقارنة بين التجربة اليابانية وما كان قائمًا في مصر تطرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن إعادة التوازن بين التعليم والعمل في مصر اليوم؟
أول ما يجب التفكير فيه هو إعادة التخطيط للتخصصات التعليمية وفق احتياجات الاقتصاد الوطني. فليس من المنطقي أن تستمر الجامعات في تخريج أعداد كبيرة في تخصصات مشبعة، بينما تحتاج البلاد إلى مهندسين وتقنيين ومتخصصين في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والزراعة الحديثة.
وثانيًا، تعزيز التعليم الفني والتكنولوجي ليصبح مسارًا جاذبًا للطلاب، لا خيارًا ثانويًا. فالدول الصناعية الكبرى تعتمد أساسًا على الكوادر الفنية المدربة، وهي العمود الفقري لأي نهضة إنتاجية. كنت في زيارة منذ وقت قريب لأحد المدارس الفنية في اليابان حيث دعاني استاذي لزيارتها وحضور مناقشة مشاريع التخرج ورأيت مدى ارتباط دراستهم بسوق العمل. فكل المشاريع بلا استثناء كانت لمشاكل فننية في أحد الصناعات ويقدم الطالب حلاً عملياً لها شاملا التصميم ونموذج المحاكاة أو نصف صناعي.
أما الخطوة الثالثة فهي إقامة شراكة حقيقية بين الجامعات وقطاع الصناعة، بحيث تشارك الشركات والمؤسسات الإنتاجية في تحديد التخصصات المطلوبة وتوفير فرص التدريب للطلاب قبل التخرج، بما يضمن انتقالهم بسهولة إلى سوق العمل.
كما يمكن للحكومة أن تعمل على إنشاء قاعدة بيانات وطنية لسوق العمل ترصد احتياجات القطاعات المختلفة لسنوات قادمة، وبناءً عليها يتم تحديد أعداد المقبولين في التخصصات الجامعية المختلفة.
وأخيرًا، فإن إعادة الربط بين التعليم والعمل لا تعني بالضرورة العودة إلى نظام التوظيف الحكومي الشامل كما كان في الماضي، بل تعني بناء منظومة حديثة يكون فيها التعليم جزءًا من خطة التنمية الاقتصادية، بحيث يصبح الخريج عنصرًا فاعلًا في الإنتاج لا مجرد باحث عن وظيفة.
إن مستقبل أي دولة يبدأ من مدارسها وجامعاتها. وإذا نجحت مصر في تحقيق التوازن بين التعليم واحتياجات التنمية، فإنها لن تعالج فقط مشكلة البطالة بين الخريجين، بل ستفتح الطريق أيضًا نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة.
اللهم اجعل العلم في مصر طريقًا للعمل والبناء، ووفق أبناءها لما فيه خير البلاد ورفعة الأوطان.
الدكتور: صلاح سالمان
أستاذ و رئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر



















