الاختلاف رحمة لا نقمة.. كيف يواجه الإسلام فوضى التنمّر ويحمي تماسك المجتمع؟
في وقتٍ تتسارع فيه وتيرة التفاعل الإنساني، وتتشابك فيه الآراء عبر الواقع والفضاء الرقمي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يهدد استقرار المجتمعات؟ هنا يقدّم الإسلام رؤية متكاملة تُعلي من قيمة الوحدة، دون أن تُنكر طبيعة التنوّع البشري.
فمن أبرز مقاصد الشريعة الإسلامية، بعد ترسيخ التوحيد، بناء مجتمع متماسك يجمع أطيافه المختلفة في إطارٍ واحد، قائم على الاعتدال والوسطية، بعيداً عن التعصب والانقسام. غير أن هذا التماسك لا يعني إلغاء الاختلاف، بل الاعتراف به كحقيقة إنسانية وسُنّة كونية، تعكس تباين العقول وتعدد وجهات النظر، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين}.
لكن هذا الاختلاف ينقسم إلى نوعين: اختلاف محمود يُثري الفكر ويُوسّع المدارك، وآخر مذموم يقود إلى الفرقة والتنازع. الأول قائم على التنوع والتكامل، أما الثاني فينطلق من ضيق الأفق والتعصّب للرأي، ما يفتح الباب أمام خطاب الكراهية ويُضعف نسيج المجتمع.
وفي هذا السياق، يدعو الإسلام إلى ترسيخ ثقافة الحوار وقبول الآخر، خاصة لدى النشء، باعتبارها صمام أمان ضد الانغلاق الفكري والتطرف. كما يؤكد أن الأصل في الخلاف هو السعة والرحمة، ما دام منضبطاً بأصول الشرع وقواعده. وقد جسّد ذلك علماء الأمة عبر التاريخ، حيث اختلفوا في الآراء، لكنهم ظلوا متآلفين في القلوب، وهو ما لخّصه الإمام الشافعي بقوله الشهير: «ألا يصح أن نختلف ونبقى إخواناً».
اقرأ أيضاً
من إعلان عابر إلى سؤال الهوية.. كيف تحولت “الأنوثة” إلى سوق يبيع القلق؟
مخططات التغيير.. وثوابت الاستقرار
أمانة شئون علاقات حكومية بحزب مستقبل وطن بسوهاج تكرم الأم المثالية
تصعيد متسارع في الشرق الأوسط.. إنذارات في النقب وغارات على جنوب لبنان وجهود دبلوماسية لاحتواء الأزمة
انقلاب ميكروباص على طريق قنا–الأقصر يُصيب 10 أشخاص.. ونقل المصابين للمستشفى قوص المركزي
الأهلي يعيد رسم ملامح الفريق: مفاوضات لضم لوكاس مورا وخطة شاملة لإعادة الهيكلة قبل الميركاتو الصيفي
تقلبات جوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وأمطار ورياح نشطة حتى مطلع الأسبوع
التعليم تحسم الجدل: لا ”أونلاين” في المدارس.. والدراسة مستمرة رغم قرارات ترشيد الطاقة
منظومة التعليم العالي تتحرك بقوة نحو الاستدامة والتنافسية العالمية
أول أبريل ٢٠٢٦ : انطلاق أول مؤتمر طلابي لطلاب جامعة سوهاج الأهلية
عاجل | بالفيديو... إيران تنشر لقطات إطلاق طائرات مسيرة على تل أبيب وتصعيد عسكري جديد في الحرب
بدائل تعليمية مبتكرة لحل مشكلات الحضور والكثافة في المدارس
وفي موازاة ذلك، يضع الإسلام كرامة الإنسان في صدارة القيم، مؤكدًا على حرمة السخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب، لما لها من أثر بالغ في إيذاء النفوس وتمزيق الروابط الاجتماعية. كما شدّد النبي محمد ﷺ على خطورة التحقير والترويع، حتى وإن كان على سبيل المزاح، في رسالة واضحة تحرّم كل أشكال الإيذاء المعنوي.
ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أنماط جديدة من الانتهاكات، أبرزها “التنمّر الإلكتروني”، الذي بات يمثل تهديدًا حقيقيًا، خاصة للفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والشباب. هذا النوع من السلوك، الذي يتجلى في الإهانة والتشهير والسخرية عبر المنصات الرقمية، لا يخرج فقط عن القيم الأخلاقية، بل يتعارض صراحة مع تعاليم الدين.
وتحذر الدراسات من أن التنمّر الإلكتروني قد يخلّف آثارًا نفسية عميقة، تصل في بعض الحالات إلى العزلة أو الاكتئاب أو حتى التفكير في إيذاء النفس، ما يجعله قضية مجتمعية تستوجب تحركًا جماعيًا لمواجهتها.
الإسلام، من جانبه، لا يكتفي بتحريم هذه السلوكيات، بل يُحمّل المجتمع بأكمله مسؤولية التصدي لها، عبر منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، التي يقع على عاتقها مراقبة سلوك الأبناء وتوجيههم، مرورًا بالمؤسسات التعليمية والدينية، وصولاً إلى وسائل الإعلام التي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي.
كما يتطلب الحد من هذه الظاهرة ضمان حقوق الفئات المستهدفة، وتوفير بيئة داعمة لهم على المستويات كافة، إلى جانب نشر خطاب ديني وثقافي يعزز قيم الاحترام والتسامح.
وفي ختام المشهد، يرسّخ الإسلام مفهوم الحرية المسؤولة، التي لا تنفصل عن القيم ولا تتعدى على حقوق الآخرين. فليست كل ممارسة تُبرَّر باسم الحرية مقبولة، بل إن الحرية الحقيقية هي التي تبني ولا تهدم، وتحفظ التوازن بين حق الفرد وواجباته تجاه المجتمع.
إن مواجهة التنمّر، في جوهرها، ليست مجرد معركة أخلاقية، بل هي معركة وعي، تتطلب تكاتف الجميع لحماية إنسانية الإنسان، وصون تماسك المجتمع في زمن تتزايد فيه التحديات.

















