×
10 شعبان 1447
29 يناير 2026
الجمهورية الجديدة
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير: مرتضى أبوعقيل
مقالات

من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة: قصة تحويل القبلة

الدكتور خالد عبد اللطيف يكتب عن : حين استدار القلب قبل الجسد .. تحويل القبلة وأثره في هوية الأمة

الجمهورية الجديدة

كان النبي ﷺ يصلي بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أُمر بالتوجه إلى بيت المقدس لكن قلبه الشريف ظل معلقاً ببيت الله (الكعبة المشرفة).. ان حادثة "تحويل القبلة" ليست مجرد سرد لمناسبة عابرة، بل هي قصة الانقياد المطلق، ومسيرة التحول من التبعية إلى الريادة، ومن التشتت إلى الوحدة، وفي طياتها من الحكم واللطائف ما يستنهض الهمم ويحيي القلوب... كما أنها ليست مجرد انتقال جزيئي من جهة جغرافية إلى أخرى، بل هي إعلان عن استقلال الشخصية الإسلامية، وربط الأمة بجذورها الإبراهيمية الأولى.

متى وقعت حادثة تحويل القبلة؟

كان النبي ﷺ منذ بعثته في مكة يصلي ويتوجه نحو الكعبة المشرفة، وقيل كان ﷺ يجمع بين القبلتين ،كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه ، كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ، رضي الله عنه ، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما ، فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة ، واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا .

الأمر بالاتجاه إلى بيت المقدس:

اقرأ أيضاً

لما أذن الله لنبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة المنورة، واستقر بها ، صدر الأمر الإلهي بالتوجه نحو بيت المقدس؛ ليكون ذلك أول اختبارٍ حقيقي للنفوس، ولتتعلق القلوب بإرادة الله لا بمجرد الحجارة والأماكن، وظل النبي ﷺ والمؤمنون على هذا حال قرابة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، يستقبلون في صلاتهم صخرة بيت المقدس الشريفة، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ -لأَنَّها قِبْلَتُهُمْ - وكان في ذلك حكمة إلهية لاختبار إيمان المؤمنين ومدى استجابتهم للأمر الإلهي أياً كان اتجاهه.
* ثبت في الصحيحين من حديث البَرَاءِ بن عازب -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ" رواه البخاري ومسلم .. ثم بعد ذلك أمره الله تعالى باستقبال الكعبة ( البيت الحرام ) وذلك في قوله تعالى:﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] ومن ذلك الوقت صارت الكعبة قبلته -صلى الله عليه وسلم-، وقبلة أمته مِن بعده

في أي شهر تم تحويل القبلة؟

تعددت روايات المؤرخين والمفسرين في تحديد الشهر الذي حُوّلت فيه القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، واختلفوا في تحديد الشهر (بين رجب وشعبان) وفي عدد الشهور بعد الهجرة (بين 16 أو 17 أو 18 شهراً) وانحصرت الأقوال في الآتي:

القول الأول: في شهر رجب (وهو رأي بعض العلماء ) نُقل عن سعيد بن المسيب أن التحويل كان قبل غزوة بدر بشهرين، مما يوافق 17 رجب من السنة الثانية للهجرة.. وهو قول قتادة، وزيد بن أسلم، ومحمد بن إسحاق في إحدى رواياته، والواقدي في أحد أقواله. (ينظر البداية والنهاية لابن كثير).. ذكر الدكتور أكرم العمري في "السيرة النبوية الصحيحة" أن هذا هو الصحيح المعتمد، وكان في منتصف رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه ﷺ المدينة.. (السيرة النبوية الصحيحة لـ د أكرم العمري)

القول الثاني: في شهر شعبان (وهو قول الجمهور) ذهب الجمهور الأعظم إلى أن القبلة صُرفت في النصف من شعبان، على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة... رُوي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة، وحكاه ابن جرير الطبري عن السدي.. ينظر البداية والنهاية لابن كثير
* حدد الواقدي (في رواية محمد بن سعد عنه) اليوم بأنه كان يوم الثلاثاء ليلة النصف من شعبان، وإن كان في هذا التحديد الدقيق لليوم نظرٌ عند أهل العلم.
* والراجح في تاريخ تحويل القبلة،و​الذي استقر عليه حال الأمة، وذهب إليه أكثر علمائها ومحققوها، هو أن حادثة تحويل القبلة وقعت في ليلة النصف من شعبان.
وهو رأي الجمهور الأعظم من أهل العلم والمؤرخين، الذين أكدوا أن هذا الحدث العظيم تم في منتصف شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، على رأس ثمانية عشر شهرا من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة.

الرغبة النبوية والانتظار للوحي:

لم يكن النبي ﷺ ليتجاوز الأدب مع الله، فلم يسأل التحويل بلسانه، بل كان يقلب وجهه في آفاق السماء صامتاً يرقب جبريل، وفي هذا أسمى معاني الأدب مع مقام الألوهية... كَانَ ﷺ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ وَالِابْتِهَالَ إِلَى اللهِ سَائِلًا ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى قوله : ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡملُونَ﴾ [سورة البقرة: 144].
جاءَ الأَمْرُ بتحويلِ القِبْلَةِ ليُعْلَنَ بَدْءُ الاخْتِبارِ فِعْليًّا: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). نَزَلَ الْأَمْرُ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فخَطَبَ رَسُولُ اللهِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ.

الفتنة والتمحيص: موقف المعارضين والرد الإلهي

بمجرد صدور الأمر الإلهي بالتحول، بدأت أبواق التشكيك من السفهاء (وهم اليهود والمنافقون) في إثارة الشبهات: "لماذا تركوا قبلة الأنبياء؟ Pierce"، "إن كانت القبلة الأولى حقاً فقد ضاعت صلاتهم، وإن كانت الثانية هي الحق فقد بطلت صلاتهم السابقة!".

الاستباق القرآني للشبهة: أخبر القرآن الكريم عما سيقولونه قبل أن ينطقوا به، ليوطن نفوس المؤمنين على الصمود... يقول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [سورة البقرة: 142].

تثبيت أجر من مات قبل التحويل: خاف الصحابة على إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، فأنزل الله طمأنة لقلوبهم بأن عملهم لم يضع... يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [سورة البقرة: 143]... (والمقصود بـ "إيمانكم" هنا صلاتكم).

الامتثال السريع: مدرسة الصحابة في الطاعة.. لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يسألون عن "لماذا" و"كيف"، بل كان شعارهم "سمعنا وأطعنا". وقد تجلى ذلك في موقف أهل "مسجد قِباء" و"بني سَلِمة".

قصة مسجد القبلتين: بينما كان الناس في صلاة الصبح بقباء، جاءهم آتٍ وأخبرهم أن الوحي قد نزل بتحويل القبلة، فتحولوا وهم في ركوعهم!
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال : بينما النَّاسُ بقُباءَ في صلاةِ الصُّبحِ ، إذ جاءهم آتٍ فقال : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أُنزِل عليه اللَّيلةَ قرآنٌ ، وقد أُمِر أن يستقبِلَ الكعبةَ فاستقبلوها ، وكانت وجوهُهم إلى الشَّامِ ، فاستداروا إلى الكعبةِ» أخرجه مالك واللفظ له، وأخرجه البخاري ، ومسلم باختلاف يسير

الحكمة من تحويل القبلة... إنَّ لله سبحانه وتعالى حكماً بالغة في جعل القبلة ابتداءً إلى بيت المقدس، ثم صرفها بعد ذلك إلى الكعبة المشرفة، ومن هذه الحكم:
المحنة والابتلاء لتمحيص الصفوف ... إن الفارق الجوهري بين مَن يعبد الله حقاً ومَن يتبع هواه، يظهر في سرعة الامتثال لأوامر الشرع، حتى وإن خالفت مألوف النفس أو آراء الناس. فهذا الحدث كان "محنة" كشفت سرائر أربع طوائف:

  • فأما المسلمون المؤمنون الصادقون: فقد استسلموا بقلوبهم وقالوا سمعنا وأطعنا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}،وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرةً عليهم. فكانت هداية الله لهم دليلاً على رسوخ إيمانهم.
  • وأما المشركون: فقد توهموا أن عودة النبي ﷺ لقبلتهم هي تمهيد لعودته لدينهم، وقالوا: "يوشك أن يرجع إلينا".
  • وأما اليهود فقالوا: خالف قبلةَ الأنبياء قبله، ولو كان نبيا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ الْيَهُود قَوْمٌ حُسَّدٌ وَإِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإمَامِ: آمِينَ، وَعَلَى السَّلَامِ). ???? رواه أحمد وابن خزيمة وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.. إن « اليَهود الذينَ كانُوا فَرِحينَ مُبْتَهِجينَ عِنْدَما اتَّخَذَ الرَّسولُ بيتَ المقْدِسِ قِبْلَةً، وكَانُوا يَظنُّونَ أنَّ الرَّسولَ سَيَتَّبِعُهُمْ في دينِهِمْ بعدَ ذَلِكَ، لمَّا جاءَ الأمرُ بتحويلِ القِبْلَةِ أُصِيبُوا بالإِحْباطِ واليَأْسِ؛ فَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ لِيُشَكِّكُوا المُسلِمينَ في دينِهِمْ، قائِلينَ: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا). مَعَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ لِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَدِينَةَ مُهَاجَرُهُ وَأَنَّهُ سَيُؤْمَرُ باستقبال الْكَعْبَةِ كَمَا قَالَ تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)... فأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ هَذَا كُلِّهِ عَنْ سُؤالِهِمْ، وَنَعَتَهُمْ بِالسُّفَهَاءِ فَقَالَ: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)، فهُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ, يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فِي خَلْقِهِ, وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ فِي شَرْعِهِ, وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ, وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ, وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحِكْمَةُ الَّتِي يَجِبُ لَهَا الرِّضا وَالتَّسْلِيمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا حِكْمَتَهُ في ذلك فَقَالَ: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) أي: إِنَّمَا شَرَعْنَا لَكَ -يَا مُحَمَّدُ -التَّوَجُّهَ أَوَّلًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَرَفْنَاكَ عَنْهَا إِلَى الْكَعْبَةِ، لِيَظْهَرَ حالُ مَنْ يَتَّبعك ويُطيعك وَيَسْتَقْبِلُ مَعَكَ حَيْثُمَا توجهتَ مِمَّن يَنْقَلْبُ عَلَى عَقبَيْه، (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) أَيْ: هَذِهِ الْفِعْلَةُ، وَهُوَ صَرْفُ التَّوَجُّهِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَيْ: وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ عَظِيمًا فِي النُّفُوسِ، إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وأيقنُوا بِتَصْدِيقِ الرسُول، وأنَّ كلَّ مَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الذِي لَا مرْية فِيهِ. » وأما المنافقون: تذبذبوا وقالوا: "إن كانت الأولى حقاً فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل".

وهكذا كانت الحادثة ميزاناً إلهياً؛ ليرى الله مَن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143] «وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه. زاد المعاد في هدي خير العباد

التمييز بين عبادة الله وعبادة الهوى :

فعندما تُبتلى النفوس يتبين مَنْ يعبد الله ممنْ يعبد هواه، عن سعيد بن جبير قال: لقيني راهبٌ فقال: يا سعيد، في الفتنة يتبين من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت.. (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)
• كشف الإيمان المتزعزع:
عندما تُبتلى النفوس يظهر مَن يعبد الله "على حرف" (أي على طرف وشك)؛ فإن أصابه خير اطمأن، وإن أصابته فتنة كتحويل القبلة انقلب وخسر الدنيا والآخرة.
وهذا بخلاف ممن رسخت أقدامه في الإيمان، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]
كشف النوايا الدنيوية: يتبين مَن يربط دينه بالمصالح المادية، كما وصف ابن عباس حال بعض الأعراب الذين كانوا يربطون صلاح الدين بولادة الغلام ونتاج الخيل، فإن لم يتحقق مرادهم من الدنيا قالوا: "هذا دين سوء".
عندما تُبتلى النفوس يتبين مَن يعبد الله رجاءَ ما عند الله، ممن لا يريد إلا الدنيا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ"(رواه البخاري)

تحويل القبلة: تحولٌ استراتيجي وجوهري في تاريخ الأمة .

لم يكن تحويل القبلة مجرد تغيير في وجهة الصلاة، بل كان حدثاً مفصلياً يحمل أبعاداً عميقة ، منها: السياسي، والعسكري، والديني البحت، والتاريخي.
البُعد السياسي: أعلن هذا التحول عن ميلاد مركز ثقل جديد في العالم، حيث غدت الجزيرة العربية هي المحور الذي تدور حوله الأحداث والقرارات.
البُعد التاريخي: أعاد الحدث ربط الأمة بجذورها الضاربة في القدم، موثقاً الصلة بإرث الخليل إبراهيم -عليه السلام-، ليكون الإسلام هو الامتداد الطبيعي والشرعي لتلك الحنيفية ولسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام .
البُعد العسكري: كان بمثابة التمهيد لفتح مكة، وإنهاء دولة الشرك فيها،وتطهير الكعبه من الأوثان .
وبعدها الديني: أنّها ربطت القلوب بالحنيفية، وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها ومن ثَمَّ كان تحويل القبلة نعمةً من نعم الله علينا، كما قال الله تعالى: { وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150]. ???? الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية
البُعد الديني والتربوي: كان اختباراً لتمحيص القلوب وتمييز الأمة المسلمة بهوية مستقلة وسمات متفردة، وهو ما لخصه البيان الإلهي بوصفه "تمام النعمة" الموصلة للهداية.قال الله تعالى: { وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150]. الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

انتقال الريادة من بني إسرائيل إلى أمة الإسلام:

حمل تحويل القبلة دلالة رمزية كبرى على انتقال ريادة البشرية وإمامة الدين؛ فبعد أن ظلت النبوة والقيادة في بني إسرائيل ردحاً من الزمن (ومركزها الشام وبيت المقدس)، انتقلت تلك الأمانة العظيمة إلى العرب في الحجاز.
بهذا الانتقال، تبوأت الأمة الإسلامية مقام "الوسطية"، لتكون الأمة الشاهدة على سائر الأمم، والوارثة لرسالة السماء الخالدة، تحت لواء الرسول ﷺ
قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]

الدروس المستفادة واللطائف العقدية

● منزلة النبي ﷺ... يتجلى علوّ قدر النبي ﷺ في سرعة استجابة الله لدعواته وتحقيق مراده؛ فما كان تقليب وجهه ﷺ في السماء إلا شوقاً لقبلةٍ يحبها، فآتاه الله سؤله إكراماً له حين قال: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}. " فهو -صلى الله عليه وسلم- الذي شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على مَن خالف أمره، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمَه باسمه فإذا ذُكِرَ ذُكِرَ معه كما في الخطب والتشهد والتأذين، وافترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ الطرق كلها إليه وإلى جنته فلم يفتح لأحد إلا من طريقه؛ فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يميز أهل الهدى من أهل الضلال. إعلام الموقعين عن رب العالمين فما وافق هديه فهو الهدى، وما خالفه فهو الضلال ، على قدر الهمة في الدين يكون المدد من رب العالمين .

ظلَّ النبيُّ ﷺ يقلِّبُ وجهه في السماء سائلا ربه مستعطفا راجيا، إلى أن حقق الله مطلوبه وأعطاه منهاه، وهكذا تُنال المطالب وتُقضى الحاجات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلاَةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ). رواه البخاري ومسلم

« المعونةُ من الله تنزل على الْعباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عَلَيْهِم على حسب ذَلِك، فَالله سُبْحَانَهُ أحكم الْحَاكِمين وَأعلم الْعَالمين يضع التَّوْفِيق فِي موَاضعه اللائقة بِهِ والخذلان فِي موَاضعه اللائقة بِهِ هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم. الفوائد لابن القيم

إثبات نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-

فقد أخبر الله تبارك وتعالى بما سيقوله اليهود عند تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قبل وقوع الأمر بالتحويل، ولهذا دلالته، فهو يدل على صدق نبوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ هو أمر غيبي، فأخبر عنه -صلى الله عليه وسلم- بآيات قرآنية قبل وقوعه ثم وقع، وفي ذلك يقول الله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]

انقياد الصحابة لأوامر الله .

​يُعدّ موقف الصحابة نموذجاً حياً للمسلم الذي يدرك حقيقة عبوديته لله، فالتزام الصحابة لم يكن مشروطاً بمعرفة الحكمة أو الاقتناع العقلي المجرد، بل كان دافعهم هو اليقين بأن كل ما شرعه الله هو مصلحة محضة للعبد، علمها أم جهلها.
وصدق الإيمان يتجلى في المسارعة للامتثال في جميع الأحوال، وبذل كل الجهد في تنفيذ مراد الله.
​ولا خيار للمؤمن أمام قضاء الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمَا كَان لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب: 36]
فتمام الإيمان لا يتحقق إلا بالتحاكم للشرع، مع خلو النفس من أي ضيق أو حرج تجاه الأحكام، والرضا بها تسليماً كاملاً.
وقد أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
والصحابة -رضي الله عنهم- ضربوا أروع الأمثال في سرعة امتثالهم لأوامر الشرع، فلما أُمِروا بالتوجه إلى المسجد الحرام سارعوا وامتثلوا، بل إن بعضهم لما علم بتحويل القبلة وهم في صلاتهم تحولوا وتوجهوا إلى القبلة الجديدة في نفس الصلاة، بمجرد وصول الخبر لهم كَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ. رواه البخاري
وعَنْ عُمَارة بْنِ أَوْسٍ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَنَحْنُ رُكُوعٌ، إِذْ أَتَى مُنَادٍ بِالْبَابِ: أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلت إِلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى إِمَامِنَا أَنَّهُ انْحَرَفَ فتحوَّل هُوَ والرِّجال وَالصِّبْيَانُ، وَهُمْ رُكُوعٌ، نَحْوَ الْكَعْبَةِ», هكَذَا كانَ شَأْنُ المؤمِنينَ الصَّادِقينَ.
وعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ. رواه البخاري

مِن مواقف الانقياد والتسليم عند الصحابة -رضي الله عنهم-:

إراقة الخمور بمجرد التحريم... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ، وَأَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رضي الله عنهم الخمْرَ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُنَادِيًا فَنَادَى " فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أنَسُ، اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: " أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَمَا قَالُوا مَتَى؟ ، أَوْ حَتَّى نَنْظُرَ، بل قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا، ثُمَّ قَالُوا عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ حَتَّى أَبْرَدُوا وَاغْتَسَلُوا، ثُمَّ طَيَّبَتْهُمْ أُمُّ سُلَيْمٍ ثُمَّ رَاحُوا إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَإِذَا الْخَبَرُ كَمَا قَالَ الرَّجُلُ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا طَعِمُوهَا بَعْدُ، وَكَفَأَ النَّاسُ آنِيَتَهُمْ بِمَا فِيهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ. رواه أحمد و البخاري ومسلم

سرعة استجابة النساء في ارتداء الحجاب .

عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَذَكَرَتْ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ، فَقالتْ عَائِشَةُ: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلا، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ انْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ إليهن فيها، ويتلوا الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَتِهِ، مَا مِنْهنَّ امْرَأَةٌ إِلا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا الْمُرَحَّلِ فَاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ، فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصبح معتجرات كأن على رؤسهن الغربان. رواه أبو داود مختصرا، وابن أبي حاتم في التفسير وقواه الألباني في جلباب المرأة المسلمة والأعجب من ذلك: خلع النعال أثناء الصلاة متابعةً للنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي خلعه لنجاسة فيه!.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ)، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى). رواه أبو داود وصححه الألباني في مشكاة المصابيح والنماذج في هذا المعنى كثيرة من واقع الصحابة، ولكنها إشارة للعاقل.
والسؤال: أين هذا مِن حال مَن يجادلون في آيات الله بغير علم؟! وممن يطعنون في أصول الدين لأنها لا تتوافق مع أهوائهم المنحرفة وعقولهم الخرِبة؟
نتعلم من الصحابة: درسًا في معنى الأخوة
أظهر تحويل القبلة حرص المؤمن على أخيه وحب الخير له، فحينما نزلت الآيات التي تأمر المؤمنين بتحويل القبلة إلى الكعبة، تساءل المؤمنون عن مصير عبادة إخوانهم الذين ماتوا وقد صلوا نحو بيت المقدس، فأخبر الله عز وجل أن صلاتهم مقبولة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَكَيْفَ الَّذِينَ مَاتُوا، وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}[البقرة:143] رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي

وهكذا الأخوة الصادقة لا تنقطع بالموت، بل لا تنقطع في أحلك الظروف في عرصات القيامة، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر شفاعة بعض المؤمنين لإخوانهم، فقال: (فيقولون: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا، كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ). رواه البخاري
لذلك قال الحسن البصري: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة. تفسير البغوي
الأخوة الصادقة تعني: أن نفرح لفرح إخواننا ونحزن لحزنهم؛ دخل عمر -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وهما يبكيان، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. رواه مسلم
الوسطية والشهادة على الأمم: اقترن تحويل القبلة بوصف الأمة بالوسطية، فالقبلة هي "مركز" الأرض، والأمة هي "مركز" الشهادة على الخلق.
يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا﴾ [سورة البقرة: 143].

مكانة الأمة الإسلامية وفضلها

إنها الأمة الوسط: قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].. إنما حوَّلناكم إلى قبلةِ إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. تفسير ابن كثير .. فهذه الأمة هي الأمة الوسط في التصور والاعتقاد، وفي التفكير والشعور في التنظيم والتنسيق، في الارتباطات والعلاقات، وحتى في المكان في سُرَّةِ الأرض وأوسط بقاعها.

إنها أعظم الأمم وأسبقها فضلاً

قال الله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110]
عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ (أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ). رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الجامع
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ). رواه مسلم
لذلك لا ينبغي الإعجاب بالأمم الكافرة والاقتداء بهم في ضلالهم
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ). رواه البخاري ومسلم
«إنَّ مظاهِرَ الذَّوبانِ وعدمِ التَّمايُزِ كثيرةٌ اليومَ بينَ صُفوفِ المسلمينَ؛ تُشاهِدُها في ابتعادِهِمْ عَنْ لُغةِ القرآنِ، وتعلُّقِهِمْ باللُّغاتِ الأجنبيةِ على حِسابِ اللُّغةِ العربيَّةِ، وليسَتِ المشكلةُ في الحِرْصِ على تعلُّمِ غير العربية؛ ولكنَّ المشكلةَ في ابتعادِنَا عنْ لُغتِنَا الأُمِّ، حتى صَارَتْ أسماءُ المَحَالِّ أجنبيَّةً، وصارَتْ لُغةُ الحياةِ اليوميَّةِ مشحونةً بالألفاظِ الأجنبيَّةِ، وصارَ مَقامُ الفَرْدِ في عينِ مُحدِّثِيهِ يُقَيَّمَ بعددِ المصْطَلحاتِ الأجنبيَّةِ الَّتِي يستخدِمُها.
وكذَلِكَ نَرَى مظاهرَ الذوبانِ في شكلِ الملابِسِ، وأنْماطِهَا؛ فالظَّواهِرُ الشاذَّةُ انتقَلَتْ إِلَيْنا بسرعةٍ مِنَ الغَرْبِ، ولمْ تجِدْ مِنْ كثيرٍ مِنَ الشَّبابِ إلَّا الترحيبَ ، وغيرُ ذلكَ مِنَ المظاهرِ كثيرٌ.»

قبلتنا تذكرنا دائما بـتوحدنا وتوحيدنا

من كل اتجاه، في أنحاء الأرض جميعًا، قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحِّد بينها على اختلاف مواطنها، واختلاف مواقعها من هذه القبلة، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها، قبلة واحدة، تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها، فتشعر أنها جسم واحد، وكيان واحد، تتجه إلى هدف واحد، وتسعى لتحقيق منهج واحد، منهج ينبثق من كونها جميعًا تعبد إلهًا واحدًا، وتؤمن برسول واحد، وتتجه إلى قبلة واحدة.
فالمسلمون يتعلمون من وحدة القبلة، وحدة الأمة في الهدف والغاية، وأن الوحدة والاتحاد ضرورة في كل شئون حياتهم الدينية والدنيوية، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]
قبلتنا تذكرنا: بضرورة تميز المسلمين عن غيرهم .. لم يكن بُدّ من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم في الصلاة والعبادة وتخصيصه؛ كي يتميز المسلم وينفرد بتصوره ومنهجه واتجاهه، فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد؛ كما أنه بدوره ينشئ شعورًا بالامتياز والتفرد.
ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بغير المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة، عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ). رواه أبو داود وصححه الألباني في مشكاة المصابيح
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ). رواه البخاري ومسلم
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (جُزُّوا الشَّوارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ). رواه مسلم
ولقد أدرك اليهود مدى حِرْص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هُوية الأمة وتميزها، والإمعان في مخالفتهم حتى قال قائلهم: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. رواه مسلم

قبلتنا تذكرنا بتخليص القلوب من نعرات الجاهلية

كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرةٍ، وكل عصبيةٍ لغير منهج الله تعالى، فقد انتزعهم من الاتجاه إلى البيت الحرام، وشاء لهم الاتجاه إلى المسجد الأقصى لفترةٍ ليست بالقصيرة، وما ذاك إلا ليخلِّص نفوسهم من رواسب الجاهلية... ثم لمَّا خلصت النفوس وجَّهها الله تعالى إلى قبلةٍ خاصةٍ تخالف قبلة أهل الديانات السماوية الأخرى... وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص النفوس بأنها "كبيرة": { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143]

قبلتنا تذكرنا بحقيقة الصراع بيننا وبين أهل الكتاب

قال تعالى في معرض حديث الآيات عن القبلة { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } [البقرة: 145]
«ومن دروس حادثة تحويل القبلة الهامة، أنها عرفت المسلمين طبيعة الكفار ـ من يهود ونصارى وغيرهم ـ وأنهم لن يرضوا أبدا عن المسلمين إلا بأن يتبعوهم ويكونوا مثلهم، قال الله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).»

من دروس حادثة تحويل القبلة المهمة، أنها وضَّحتْ للمسلمين طبيعة الكفار- من يهود ونصارى وغيرهم- وأنهم لن يرضوا أبدا عن المسلمين إلا أن يتبعوهم ويكونوا مثلهم، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]
وهنا ندرك أصالة عدوان هؤلاء للإسلام والمسلمين، فقد شنوا حربًا إعلامية ضارية في أعقاب حدث تحويل القبلة، ولقد فُتن ضعاف الإيمان كما فُتن إخوانهم في حادث الإسراء والمعراج، وإن المتأمل لآيات تحويل القبلة - وهي تردُّ شبهات اليهود - يتبين له مدى ضراوة الحرب الإعلامية والفكرية التي شنَّها اليهود، وما زالوا إلى اليوم يسيطرون على القنوات والأبواق الإعلامية المسموعة والمرئية، وكلُّ همهم هو تشويه صورة المسلمين وتشتيت شملهم، وحالهم كما قال الله تعالى { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } [المائدة: 64]

وأخيرًا قبلتنا تذكرنا: أن مَن عاش على القبلة مات عليها

عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: اشتدَّ وجعُ سعيد بن المسيب، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأُغمي عليه، فقال نافع: وجهوه إلى القبلة. ففعلوا، فأفاق، فقال: مَن أمركم أن تُحوِّلوا فراشي إلى القبلة، أنافعٌ؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهُكم فراشي. سير أعلام النبلاء
تأكيد وحدة المرجعية: إن التوجه للكعبة ليس عبادة للحجر، بل هو امتثال لأمر رب الحجر، وتوحيد لصفوف المسلمين أينما كانوا.
* عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ» خرجه البخاري

العودة إلى الأصل .

إن تحويل القبلة كان بمثابة تإكيد على الهوية الإسلامية، حيث اجتمعت القلوب على بقعة طهرها الخليل إبراهيم، لتظل الكعبة المشرفة مغناطيساً للأرواح، وقبلةً للجباه، ورمزاً للوحدة التي لا تنفصم عراها....فليست العبرة بجهة الشرق أو الغرب، بل العبرة بوجه القلوب نحو مسبب الأسباب.
وزبدة القول وخلاصة اليقين أن حادثة تحويل القبلة لم تكن مجرد انتقال مادي، بل كانت ثورة على الجمود، واختباراً لسرعة الامتثال. ونوجز أهم الدروس فيما يلي:
● السيادة الإلهية: التأكيد على أن الجهات كلها لله، والقدسية للمكان تنبع من أمر الله لا من ذات الحجر، ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُ﴾.
● استقلال الهوية: إعلان تميز الأمة الإسلامية بتبعية مستقلة ومنهاج فريد يربطها بإرث إبراهيم عليه السلام، بعيداً عن تبعية أهل الكتاب.
● الابتلاء والتمحيص: فرز الصف المؤمن وتمييز الصادق المستسلم لأمر الرسول ﷺ من المشكك المتذبذب، ﴿لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ﴾.
● مكانة النبي ﷺ: إظهار إكرام الله لنبيه ﷺ بإعطائه سؤل قلبه دون أن ينطق بلسانه، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَا﴾.
● الوسطية والشهادة: تحول القبلة كان إيذاناً ببدء دور الأمة الوسط التي تشهد على الناس بالحق والعدل.
"اللهم يا من صرفت الوجوه لبيتك المحرم، اصرف قلوبنا إلى طاعتك، وثبت أقدامنا على صراطك المستقيم.
اللهم كما أكرمت نبيك المصطفى ﷺ بتحويل القبلة التي ترضاها، فأكرمنا برؤية وجهك الكريم، وبلوغ شفاعته في جنات النعيم.
اللهم يا جامع الناس في اتجاه واحد لبيتك العتيق، اجمع كلمة المسلمين على الحق، ووحد صفوفهم، وارفع رايتهم، وطهر مقدساتنا من كل دنس. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل وجهتنا إليك في كل حركاتنا وسكناتنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم تقبل منا صلاتنا، وصيامنا، وقيامنا، واجعلنا من "الأمة الوسط" التي تشهد بالعدل، وتقوم بالقسط. اللهم ارزقنا الاستسلام لأمرك كما استسلم الصحابة الكرام، واجعل حبك وحب رسولك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين. يا رب كما وليتنا قبلة ترضاها، فولِّ أمورنا خيارنا، ولا تولِّ أمورنا شرارنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم."

الكاتب والمفكرالعربى الدكتور/ خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي - رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

حين استدار القلب قبل الجسد تحويل القبلة وأثره في هوية الأمة

استطلاع الرأي

أسعار الذهب

متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
عيار 24 بيع 2,526 شراء 2,537
عيار 22 بيع 2,315 شراء 2,326
عيار 21 بيع 2,210 شراء 2,220
عيار 18 بيع 1,894 شراء 1,903
الاونصة بيع 78,550 شراء 78,905
الجنيه الذهب بيع 17,680 شراء 17,760
الكيلو بيع 2,525,714 شراء 2,537,143
سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى

مواقيت الصلاة

الخميس 10:29 صـ
10 شعبان 1447 هـ 29 يناير 2026 م
مصر
الفجر 05:18
الشروق 06:47
الظهر 12:08
العصر 15:08
المغرب 17:29
العشاء 18:49