منخفض القطارة ومياه النيل: رؤية آمنة للتنمية بدلًا من مخاطر مياه البحر
جاء قرار مجلس الوزراء المصري في مايو 2026 بعدم جدوى مشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر قرارًا رشيدًا يعكس احترام الدولة للعلم، وحسن إدارة الموارد، وتقديم مصلحة الأجيال القادمة على الأحلام الهندسية غير المضمونة. وقد تابعت هذا الملف منذ سنوات، وكتبت مبكرًا محذرًا من خطورة المشروع، ومؤكدًا أن ما قد يبدو منفعة لبعض الأطراف الخارجية، وربما يُطرح على أنه مشروع تنموي ضخم يخدم أوروبا أو غيرها، قد يكون في حقيقته ضررًا بالغًا على مصر، خاصة فيما يتعلق بتدمير المخزون الاستراتيجي من المياه الجوفية في الصحراء الغربية. وقد كان جوهر هذا التحذير أن الأمن المائي لا يجوز أن يكون محل تجربة أو مغامرة، وأن الحفاظ على الموارد غير المتجددة أولى من الانبهار بالمشروعات العملاقة ذات العوائد غير المضمونة.
فقد انتهت اللجنة الوزارية المتخصصة—بعد سنوات من الدراسة منذ قرار تشكيلها رقم 3433 لسنة 2016—إلى رفض فكرة ملء المنخفض بمياه البحر المتوسط، وعدم جدوى معظم السيناريوهات المطروحة، مع ترجيح سيناريو عدم استخدامه كخزان مائي مباشر.
إن أخطر ما في مشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر ليس فقط ارتفاع التكلفة، بل التهديد الاستراتيجي للمياه الجوفية العذبة في الصحراء الغربية. فالتسرب المتوقع للمياه المالحة إلى باطن الأرض يؤدي إلى خلطها بمياه الآبار العذبة، وهو ما يهدد استدامة مصادر المياه للأهالي، ويضرب حق الأجيال القادمة في مورد مائي لا يُعوّض بسهولة. كما أن زيادة ملوحة التربة ستؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية القائمة والمشروعات القومية الزراعية، فضلًا عن التأثير السلبي المباشر على واحة سيوة وما تضمه من نظم بيئية نادرة وتنوع بيولوجي فريد.
ولم تقف المخاطر عند الجانب البيئي، بل امتدت إلى الاقتصاد القومي؛ إذ إن المنطقة تتداخل مع عشرات مناطق إنتاج واستكشاف البترول، ويؤدي المشروع إلى تعقيد عمليات التنمية البترولية، ورفع تكاليف نقل وخطوط الغاز والبترول، بل وخسارة محتملة لمخزون من الخام، إلى جانب تهديد الثروات المعدنية الموجودة بالمنطقة. كما أن تكلفة حفر القنوات وتوليد الكهرباء من فرق المنسوب أعلى من بدائل الطاقة الأخرى، ما يجعل المشروع اقتصاديًا غير رشيد.
لكن رفض ملء المنخفض بمياه البحر لا يعني تركه بلا تنمية، بل يفتح الباب أمام رؤية أكثر أمانًا واستدامة: وهي تنمية المنطقة اعتمادًا على مياه نهر النيل وفق خطط مدروسة ومحسوبة. فبدلًا من إدخال مياه مالحة مدمرة، يمكن استخدام المياه العذبة في مشروعات زراعية وتنموية تدريجية، مرتبطة بمشروعات الاستصلاح الكبرى، مع الحفاظ الكامل على الخزان الجوفي وعدم تعريضه للتملح. كما أن مياه النيل تسمح بتنمية حقيقية قائمة على الزراعة والإنتاج والاستقرار السكاني، لا مجرد بحيرة مالحة باهظة التكلفة.
كما أن منخفض القطارة قد يمثل طوق نجاة استراتيجيًا لمصر إذا أُحسن توظيفه ضمن منظومة إدارة المياه القومية، خاصة عند ربطه برؤية متكاملة مع مفيض توشكى. ففي حالات الفيضانات الاستثنائية أو السيناريوهات الطارئة—مثل زيادة غير متوقعة في تدفقات النيل أو حدوث خلل جسيم مثل انهيار مفاجئ في سد النهضة—يمكن أن يصبح المنخفض حوضًا طبيعيًا ضخمًا لاستيعاب كميات هائلة من المياه، بما يخفف الضغط عن مجرى النهر الرئيسي، ويحمي المدن والمنشآت الحيوية والأراضي الزراعية في الوادي والدلتا من أخطار الغرق والتدمير. وهنا تبرز أهمية التفكير في منخفض القطارة ليس كمشروع لملئه الدائم بمياه البحر، بل كخزان استراتيجي للطوارئ يعمل عند الحاجة، ضمن منظومة وطنية للأمن المائي، تحفظ لمصر قدرتها على التعامل مع الأزمات الكبرى دون المساس بالمخزون الجوفي أو تعريض البيئة الصحراوية لمخاطر التملح الدائم.
إن مصر لا تحتاج إلى مشروعات مبهرة بصريًا بقدر حاجتها إلى مشروعات آمنة استراتيجيًا. التنمية الحقيقية ليست في إغراق الصحراء بمياه البحر، بل في استثمار الأرض بعقل، وحماية الثروة الجوفية، وربط التنمية بالأمن المائي والغذائي.
ولهذا، فإن قرار مجلس الوزراء برفض المشروع ليس تعطيلًا للتنمية، بل هو حماية لمستقبل الوطن. أما الخيار الأجدى، فهو إعادة النظر في تنمية منخفض القطارة من خلال رؤية تعتمد على مياه النيل، والزراعة المستدامة، واستخدامه كخزان استراتيجي للطوارئ، مع حماية مقدرات مصر الطبيعية وعدم المغامرة بها تحت شعارات براقة قد تخفي خسائر لا يمكن تعويضها.
أستاذ دكتور صلاح سالمان
استاذ ورئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر بنين بالقاهرة



تحت مظلة الأزهر الشريف.. استعدادات مكثفة لافتتاح معهد فتيات بناأبو صير بعد تطويره وتحويله إلى صرح تعليمي متكامل
التصوف الإسلامي في إطار مشروع بِنية الإنسان من إصلاح القلب إلى تحقيق مقام الإحسان .. تربية القلب حتى يعيش مع الله بصدق وبساطة طريق الإحسان
انطلاق المؤتمر الأول لمجلس أمناء الآباء والمعلمين بمحافظة سوهاج
راشد والنعماني وعدد من القيادات يشاركون في زراعة أشجار الزيتون رمز السلام احتفالًا بعيد تحرير سيناء
في ذكرى تحرير سيناء وعيد العمال.. تحية تقدير من الاتحاد الإقليمي للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالغربية للقيادة السياسية وأبطال الوطن
أماني أبوالعينين تكتب : من ميادين القتال إلى مواقع البناء.. الجيش المصري يحمي الأرض والعمال يبنون المستقبل في سيناء
اكثر من 450 طالبًا يشاركون في معسكر “القوافل الرياضية والخدمة العامة” بكلية علوم الرياضه بجامعة سوهاج
جامعة سوهاج تطلق ميثاق “وفرها.. تنورها” لمنتسبيها
جودة متميزه.. تقنيات حديثة فى عالم زراعة الأسنان تقدمها جامعة سوهاج للمرضي من مختلف المحافظات
تعليم سوهاج : سيتم مقاضاة كل من يشوة صورة مسؤلى التعليم بالمديرية ويعمل على تعطيل تطوير منظومة التعليم بسوهاج
الدكتور صلاح سالمان يكتب : مصر… استقرار راسخ وفرص استثمارية واعدة في قلب منطقة مضطربة
رئيس جامعة سوهاج الأهلية يشيد بتميّز طلابه بالانشطة الطلابية ويكرّم 43 من الفائزين بالمراكز الأولى












