×
30 ذو القعدة 1447
17 مايو 2026
الجمهورية الجديدة
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير: مرتضى أبوعقيل
الدين والحياة

الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي .. قراءة في أزمة المعنى وعودة الحاجة إلى التربية الروحية

الجمهورية الجديدة
  • مقال ضمن قراءات مشروع «بِنية الإنسان» في فهم الإنسان المعاصر والتربية الروحية

لا يعيش الإنسان بالخبز وحده، ولا بالنجاح وحده، ولا حتى بكثرة ما يملك. فداخل كل إنسان مساحةٌ لا تملؤها الأشياء مهما كثرت، لأن النفس البشرية لا تبحث فقط عن الراحة، بل تبحث، في عمقها، عن معنى يمنحها السكينة والاتزان.

ولهذا، فرغم التقدم الكبير الذي حققه الإنسان في وسائل الحياة، لا يزال السؤال الداخلي حاضرًا بقوة: لماذا يشعر كثيرٌ من الناس بالتعب، رغم أن أسباب الراحة أصبحت أكثر من أي وقتٍ مضى؟

ولماذا أصبح الإنسان، رغم كثرة ما حوله من وسائل التواصل والانفتاح والمعرفة، أكثر شعورًا بالوحدة والقلق والتشتت الداخلي؟

ربما لأن الإنسان المعاصر أصبح يعيش في حالة امتلاءٍ خارجي يقابلها فراغٌ داخلي هادئ لا يراه أحد.
كل شيء يتحرك بسرعة؛ الأخبار، العلاقات، الأعمال، وحتى المشاعر نفسها أصبحت تمر سريعًا، حتى فقد الإنسان، شيئًا فشيئًا، قدرته على الإصغاء إلى داخله.

اقرأ أيضاً

لقد أصبح قريبًا من العالم كله، لكنه، في أحيانٍ كثيرة، بعيدٌ عن نفسه.
يعرف كيف يُنجز، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يهدأ.
ويعرف كيف يُقنع الناس بأنه بخير، بينما داخله يحمل قدرًا كبيرًا من الإرهاق الصامت.

وأحيانًا لا يكون الإنسان مرهقًا من كثرة ما يفعل، بل من كثرة ما يحاول إخفاءه.
فكم من شخصٍ يبتسم طوال يومه، بينما داخله يحمل خوفًا طويلًا لا يعرف كيف يشرحه.
وكم من إنسانٍ يهرب من الصمت؛ لأن الصمت يضعه فجأةً أمام نفسه، أمام الأسئلة التي أخّرها طويلًا، وأمام فراغٍ داخلي حاول أن يملأه بكل شيء إلا الفهم الحقيقي لروحه.

وفي خضم هذا الزحام، لم تعد أزمة الإنسان المعاصر مرتبطةً فقط بضيق المعيشة أو قلة الإمكانيات، بل أصبحت مرتبطةً كذلك بحالةٍ من فقدان المعنى الداخلي، حتى صار بعض الناس يمتلكون الكثير من أسباب الرفاهية، لكنهم لا يشعرون بالطمأنينة التي كانوا يتصورون أن الوصول سيمنحهم إياها.

ولهذا أصبح الإنسان يستهلك كثيرًا، ويتكلم كثيرًا، ويتابع كثيرًا، لكنه في المقابل يشعر بشيءٍ من الجفاف الداخلي الذي لا تعالجه كثرة الانشغال.

ومن هنا تبدأ أهمية التربية الروحية؛ لا باعتبارها انسحابًا من الحياة، ولا باعتبارها رفضًا للعالم، بل باعتبارها محاولةً لإعادة التوازن إلى الإنسان من الداخل، حتى لا يتحول إلى كائنٍ ينجح خارجيًا بينما ينهار بصمتٍ من الداخل.

وقد فهم علماء التصوف والتربية هذا المعنى مبكرًا، حين أدركوا أن ظاهر الإنسان ليس دائمًا مرآةً حقيقيةً لما يجري في أعماقه. ولهذا قال سيدي الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه: «القلبُ هو الأصلُ، والأعضاءُ تبعٌ له».
(إحياء علوم الدين، كتاب شرح عجائب القلب). وقال أيضًا رضي الله عنه في معنى قريب:
«ليس الشأن فيمن يطير في الهواء، وإنما الشأن فيمن استقام قلبه مع الله».
وهو معنى يكشف أن إصلاح الداخل كان دائمًا مقدَّمًا عند أهل التربية على مجرد الصورة الظاهرة.

فالإنسان قد يبدو مستقرًا من الخارج، بينما يعيش في داخله خوفًا لا يتحدث عنه، أو فراغًا يحاول الهروب منه بالانشغال الدائم، أو تعلقًا مرهقًا يستنزف روحه ببطء.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى قراءة الإنسان قراءةً أعمق من مجرد الحكم على أفعاله الظاهرة، وهو ما يحاول مشروع «بِنية الإنسان» الاقتراب منه؛ من خلال فهم العلاقة بين النفس والروح والسلوك، والنظر إلى الإنسان باعتباره كيانًا يحتاج إلى الفهم قبل الإدانة، وإلى التزكية قبل الضغط المستمر.

ولهذا لم يكن التصوف الإسلامي، في صورته المنضبطة بالكتاب والسنة، مجرد طقوس أو عبارات روحية، بل كان مدرسةً تهتم ببناء الإنسان من الداخل، وتهذيب النفس، وإعادة الإنسان إلى حالةٍ من التوازن الهادئ مع نفسه ومع الله ومع الناس.

وقد لخّص سيدي الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه هذا المعنى بقوله: «التصوفُ استعمالُ كل خُلُقٍ سَنِيّ، وتركُ كل خُلُقٍ دَنِيّ». (الرسالة القشيرية).

وكان رضي الله عنه يقول أيضًا: «الطريق إلى الله مسدودٌ إلا على من اقتفى أثر رسول الله ﷺ».
وفي هذا إشارةٌ عميقة إلى أن التربية الروحية الحقيقية لا تنفصل أبدًا عن ميزان الشريعة والأخلاق والرحمة.

وعند التأمل في منهج سيدي الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه، نجد أن التربية لم تكن قائمةً على صناعة صورةٍ دينية، بل على تربية إنسانٍ أكثر تواضعًا ورحمةً ووعيًا بنفسه. وكان يقول رضي الله عنه: «غايةُ الطريقِ الأدب». (البرهان المؤيد).

ولم يكن يقصد بالأدب مجرد المظاهر، بل كان يقصد حالة الإنسان مع الله ومع الناس ومع نفسه؛ لأن كثيرًا من القسوة التي تظهر في السلوك تبدأ أصلًا من اضطراب الداخل.

ولهذا كان أهل التربية ينظرون إلى الإنسان بعينٍ أوسع من مجرد الخطأ الظاهر؛ لأنهم كانوا يدركون أن بعض التصرفات ليست دائمًا ناتجةً عن فسادٍ مقصود، بل قد تكون أحيانًا صرخةَ روحٍ متعبة لم تجد من يفهمها.

وقد عبّر سيدي الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله عنه عن هذا الميزان بقوله: «كلُّ شريعةٍ غيرُ مؤيدةٍ بالحقيقة فغيرُ مقبولٍ عملُها، وكلُّ حقيقةٍ غيرُ مقيّدةٍ بالشريعة فغيرُ محصولٍ أصلُها».

(الرسالة القشيرية).

وقال سيدي الإمام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: «كن مع الله بلا خَلْق، ومع الخَلْق بلا نفس».

وهي كلمةٌ تختصر معنى التوازن النفسي والروحي؛ أن يعيش الإنسان بقلبٍ متصل بالله، دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ أو متعالٍ على الناس.

ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يعلّمه كيف ينجح، بل يحتاج أيضًا إلى من يعلّمه كيف يحافظ على نفسه وسط هذا الزحام؛ كيف يهدأ دون أن ينعزل، وكيف يعيش دون أن يتحول إلى آلةٍ تؤدي ما عليها فقط.

ويحتاج كذلك إلى من يذكّره أن بعض أنواع التعب لا تُعالج بكثرة الراحة، بل بإعادة ترتيب الداخل، وأن القلق لا يكون دائمًا نتيجة قلة الإمكانيات، بل أحيانًا نتيجة فقدان المعنى.

فالروح حين تُرهَق لا تُصلحها الضوضاء، بل يصلحها شيءٌ من الصدق، وشيءٌ من السكينة، وشيءٌ من العودة الهادئة إلى الله.

وربما كانت هذه واحدةً من أكثر القضايا حضورًا في حياة الإنسان اليوم؛ لأن العالم يزداد قدرةً على إشباع الجسد، بينما تظل الروح، في كثيرٍ من الأحيان، تبحث عمّن يفهم احتياجها الحقيقي.

ولهذا بقيت التربية الروحية، كما عرفتها مدارس التصوف السني، ليست هروبًا من الحياة، بل محاولةً لإعادة الإنسان إلى توازنه الداخلي؛ حتى لا يفقد نفسه وسط هذا الضجيج الكبير، وحتى يتعلم كيف يعيش بقلبٍ أكثر هدوءًا ورحمةً ومعنى.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حياةٍ مثالية، بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ يستطيع أن يعيش الحياة دون أن ينكسر من الداخل.

الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي قراءة في أزمة المعنى وعودة الحاجة إلى التربية الروحية

استطلاع الرأي

أسعار الذهب

متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
عيار 24 بيع 2,526 شراء 2,537
عيار 22 بيع 2,315 شراء 2,326
عيار 21 بيع 2,210 شراء 2,220
عيار 18 بيع 1,894 شراء 1,903
الاونصة بيع 78,550 شراء 78,905
الجنيه الذهب بيع 17,680 شراء 17,760
الكيلو بيع 2,525,714 شراء 2,537,143
سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى

مواقيت الصلاة

الأحد 06:39 مـ
30 ذو القعدة 1447 هـ 17 مايو 2026 م
مصر
الفجر 03:21
الشروق 05:01
الظهر 11:51
العصر 15:28
المغرب 18:42
العشاء 20:11