الدكتور صلاح سالمان يكتب : الوعي الرقمي… ضرورة في زمن وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي
لم يعد العالم كما كان قبل عقدين من الزمن؛ فقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثات وأدوات الذكاء الاصطناعي شكل الحياة اليومية، وفتحت أمام الإنسان آفاقًا واسعة من المعرفة والتواصل. غير أن هذه الثورة الرقمية، رغم ما تحمله من فرص كبيرة، قد تتحول إلى مصدر خطر إذا أسيء استخدامها أو غاب عنها الوعي والمسؤولية.
أصبحت المنصات الرقمية اليوم ساحة مفتوحة يختلط فيها الخبر الصحيح بالشائعة، والحقيقة بالتضليل. وبضغطة زر يمكن أن تنتشر معلومة غير دقيقة بين ملايين الناس في لحظات، فتؤثر في العقول وتوجّه الرأي العام، وربما تُحدث اضطرابًا داخل المجتمعات. وهنا تكمن خطورة الاستخدام غير المنضبط لهذه الوسائل حين تتحول من أدوات للتواصل إلى منصات لنشر الفوضى المعرفية.
كما لم تعد برامج المحادثات مجرد وسيلة للتواصل بين الأصدقاء والعائلات، بل قد تتحول أحيانًا إلى منفذ لانتهاك الخصوصية أو استغلال البيانات الشخصية أو ممارسة الابتزاز الإلكتروني، خاصة مع الإفراط في مشاركة تفاصيل الحياة الخاصة دون تقدير لعواقب ذلك.
ومن الأخطاء الشائعة اعتقاد بعض المستخدمين أن ما يُكتب في الرسائل الخاصة يظل سرًا لا يطلع عليه أحد، بينما يثبت الواقع عكس ذلك كثيرًا؛ فقد يُفشي الطرف الآخر ما دار في المحادثة، أو يتعرض الحساب للاختراق، أو يُفقد الهاتف دون وجود وسائل حماية كافية. وعندها تتحول الكلمات والصور التي ظُنَّ أنها في مأمن إلى وسيلة للتشهير أو الابتزاز. لذلك ينبغي التعامل مع الفضاء الرقمي بقدر كبير من الحذر، وألا يكتب الإنسان ما قد يندم عليه إذا خرج إلى العلن.
اقرأ أيضاً
التعليم تنفي شائعات تعطيل الدراسة وتؤكد: انتظام العملية التعليمية السبت.. وخطة حكومية لضمان الاستقرار
رتّب دولاب حياتك… قبل أن يبعثره الزمن
الأقصر تشدد الرقابة التموينية: ضبط 300 بطاقة تموينية ومخالفات في المخابز البلدية
شائعات الإجازات الرسمية تتصدر مواقع التواصل: الجهات الرسمية توضح الحقيقة للمواطنين
هيئة الدواء تسحب تشغيلات محددة من شامبو بانتوجار بعد اكتشاف مخالفات في المواصفات
مصر تعزز التحول الرقمي للخدمات القنصلية وتطلق طابعاً بريدياً احتفالياً بالمئوية الثانية لوزارة الخارجية
الرئيس يوافق على تعديل قانون الخدمة العسكرية.. إعفاءات للعائلات المكلومة وتشديد عقوبات المتخلفين
بعد أنفيلد.. أين سيكون الملاذ الجديد لمحمد صلاح؟
وداع أسطورة “آنفيلد”.. ليفربول يفتح صفحة جديدة بعد إعلان رحيل محمد صلاح
تصعيد أمريكي مثير للجدل: ترامب يعلن تراجع القدرات العسكرية الإيرانية ويؤكد رغبة طهران في التفاوض
عاصفة رعدية تضرب البلاد.. تحذيرات عاجلة من الأرصاد وسيول محتملة في هذه المناطق
انقلاب سيارة مخللات بطريق منفلوط بسبب العاصفة الترابية.. وإصابة السائق
كما ينبغي التنبه إلى أن بعض الصفحات أو المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك بعض الرسائل التي تُبث عبر التطبيقات المختلفة، قد لا تكون بريئة كما تبدو. فكثير منها قد يُدار في إطار ما يُعرف بحروب المعلومات، بهدف بث الفرقة وإثارة الخلافات داخل المجتمعات عبر تغذية النزعات الطائفية أو تضخيم الخلافات الفكرية والسياسية، حتى تتحول إلى حالة من الاستقطاب والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، وهو ما يضعف المجتمعات ويستنزف طاقاتها ويفتح الباب أمام الصراعات.
أما أدوات الذكاء الاصطناعي، التي تمثل قمة ما وصل إليه التطور التقني، فهي سلاح ذو حدين؛ فبينما تفتح آفاقًا واسعة للبحث والإبداع، قد تُستغل أيضًا في إنتاج محتوى مضلل أو تزوير الصور والأصوات ونشر معلومات يصعب التمييز بينها وبين الحقيقة.
إن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، فكل تقدم علمي يحمل فرصة لخدمة الإنسان، لكن التحدي الحقيقي يكمن في طريقة الاستخدام. فالتكنولوجيا بلا وعي قد تتحول إلى عبء، والذكاء الاصطناعي بلا ضوابط أخلاقية قد يصبح أداة للتضليل بدلًا من أن يكون وسيلة للمعرفة.
وفي هذا السياق ينبغي التذكير بأن الكلمة في الفضاء الرقمي لم تعد مجرد تعبير عابر، بل أصبحت فعلًا مؤثرًا قد يمتد أثره إلى آلاف وربما ملايين الناس. فالمستخدم اليوم لا يكتفي بتلقي المعلومات، بل يشارك في صناعتها وتداولها، وهو ما يضع على عاتقه مسؤولية أخلاقية كبيرة. فكم من شائعة انتشرت بكبسة زر فأضرت بسمعة إنسان، أو أثارت القلق داخل مجتمع، أو أسهمت في نشر البلبلة والتوتر بين الناس.
ومن هنا فإن التسرع في نشر الأخبار غير الموثقة أو إعادة مشاركة الشائعات دون تحقق لا يعد مجرد خطأ فردي، بل قد يتحول إلى عامل يهدد الثقة العامة ويقوض استقرار المجتمعات. فالكلمة غير المسؤولة قد تُشعل خلافًا، والصورة المضللة قد تصنع وهمًا، والمعلومة الزائفة قد تزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد.
إن الوعي الرقمي الحقيقي لا يقتصر على معرفة استخدام التكنولوجيا، بل يمتد إلى إدراك أثر الكلمة ومسؤولية النشر. فقبل أن يضغط الإنسان زر الإرسال أو المشاركة، ينبغي أن يسأل نفسه: هل هذه المعلومة صحيحة؟ وهل نشرها يحقق منفعة أم يسبب ضررًا؟ فالتثبت من المعلومات واحترام الحقيقة هما حجر الأساس في بناء فضاء رقمي صحي وآمن.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الوعي الرقمي وتعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد، حتى يبقى الإنسان سيد التكنولوجيا لا أسيرًا لها. فالمستقبل الرقمي قادم لا محالة، لكن بقدر ما نمتلك من وعي ومسؤولية في استخدام هذه الأدوات، بقدر ما نجعلها وسيلة للتقدم لا بابًا للمخاطر.
إن المجتمعات التي تحسن استخدام التكنولوجيا هي التي تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الأدوات الرقمية فحسب، بل في امتلاك الوعي الذي يوجّه استخدامها. فالكلمة قد تبني وعيًا، وقد تهدم ثقة، وقد تشعل فتنة. وبين ضغطة زر وأخرى قد يتشكل رأي عام أو تُصان سمعة أو يُصنع اضطراب.
ولهذا فإن أعظم ما نحتاجه في عصر الثورة الرقمية ليس فقط أجهزة أسرع أو تطبيقات أكثر تطورًا، بل عقولًا أكثر وعيًا، وضمائر أكثر مسؤولية، وكلماتٍ تُكتب بميزان الحكمة قبل أن تُنشر في فضاء لا ينسى ما يُقال فيه..... حفظ الله مصر وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والوحدة.
الدكتور: صلاح سالمان
أستاذ ورئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر



















