الدكتور صلاح سالمان يكتب : مصر… معجزة التعايش عبر العصور
في زمنٍ تتصدّع فيه مجتمعات كثيرة تحت وطأة الطائفية والصراعات المذهبية، تقف مصر شاهدًا حيًّا على قدرة الشعوب على صناعة نموذجٍ مختلف؛ نموذجٍ يقوم على التعايش والاعتدال، وعلى وعيٍ حضاريٍ عميق بأن الوطن يتّسع للجميع.
حين دخل الإسلام مصر لم يهدم كنيسةً ولم يطفئ مصباح دير، بل حافظ على الكنائس، وفتح ما أُغلق منها، وأمَّن الرهبان الذين فرّوا من بطش الدولة البيزنطية. ومنذ ذلك الحين تشكّل في مصر نسيجٌ إنساني فريد، عاش فيه المسلمون والمسيحيون جنبًا إلى جنب، يتشاركون الأفراح والأحزان، ويجسّدون في حياتهم اليومية معنى المواطنة قبل أن يصبح هذا المصطلح عنوانًا في الدساتير والقوانين.
وعبر القرون ظلّت مصر حارسةً لوسطيتها واعتدالها. فعلى الرغم من أن الفاطميين حكموا البلاد أكثر من قرنين، فإنهم لم ينجحوا في تغيير طبيعتها الدينية أو تحويلها إلى دولة مذهبية. بل إن الجامع الأزهر، الذي شُيّد في الأصل لنشر المذهب الشيعي، تحوّل بمرور الزمن إلى منارة كبرى للإسلام الوسطي، تُدرَّس فيه المذاهب الفقهية السنية الأربعة، ويُرفع فيه لواء الاعتدال والتسامح واحترام الاختلاف.
وفي العصر الحديث حاولت قوى عديدة أن تعزف على وتر الطائفية لإشعال الفتن، كما حدث في دولٍ مجاورة تمزّقت أوطانها تحت وطأة الصراعات المذهبية. غير أن مصر بقيت عصيّة على هذه المحاولات؛ فالمصريون، مسلمين ومسيحيين، أدركوا أن وحدة الوطن ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وجودية لا غنى عنها.
ولعلّ هذا المعنى يتجلّى بوضوح في كلمات رموز مصر الدينية والوطنية. فقد قال البابا شنودة الثالث: «مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطنٌ يعيش فينا»، بينما عبّر البابا تواضروس الثاني عن الروح ذاتها بقوله: «لو حرقوا الكنائس سنصلّي مع إخوتنا في المساجد»، مضيفًا عبارته التي أصبحت شعارًا للوحدة الوطنية: «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن».
وفي المقابل يواصل الأزهر الشريف، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ترسيخ قيم الأخوّة الوطنية والمودة بين أبناء الوطن الواحد، مؤكدًا أن المسيحيين شركاء في التاريخ والمصير، وأن حماية نسيج الوطن واجب ديني وأخلاقي.
كما يجد هذا المعنى جذوره في الهدي النبوي؛ فقد أوصى النبي ﷺ بأهل مصر من الأقباط خيرًا، فقال: «استوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمّةً ورحمًا»، في إشارة واضحة إلى ما يجمع المصريين من روابط إنسانية وتاريخية عميقة.
وليس غريبًا في مصر أن يتبادل رجال الدين الإسلامي والمسيحي الزيارات في المساجد والكنائس لتقديم التهاني في الأعياد والمناسبات الدينية، في مشهدٍ يعكس عمق الاحترام المتبادل وروح المودة بين أبناء الوطن الواحد.
وإلى جانب هذا التماسك الداخلي، ظلّت مصر عبر تاريخها أرضًا مفتوحة للوافدين من مختلف البلدان؛ يلجأ إليها من يطلب العلم أو العمل أو الأمان، فيجد فيها مجتمعًا يحتضنه، وحياةً لا يشعر فيها بالغربة، لما يلقاه من كرم الضيافة وحسن الاستقبال.
إن التجربة المصرية في التعايش ليست مجرد شعارات تُرفع، بل واقعٌ تشكّل عبر قرون من التاريخ المشترك والوعي الحضاري. ولهذا بقيت مصر، رغم كل التحديات، نموذجًا يصعب اختراقه، وحصنًا منيعًا في وجه محاولات بث الفرقة وإشعال الفتن.
ويبقى الأمل أن يستمر هذا النموذج، وأن تظل مصر، كما كانت عبر تاريخها، أرض الاعتدال والوحدة، وواحةً للتعايش والسلام.
حفظ الله مصر وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والوحدة.
الأستاذ الدكتور: صلاح سالمان - أستاذ هندسة الفلزات وعلوم المواد
رئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر بنين بالقاهرة




الجولة الخليجية للرئيس السيسي تعزز التضامن العربي وتؤكد دور مصر الاستراتيجي في المنطقة
وصول سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» يفتح فصلًا جديدًا في استكشاف الغاز بمصر
مصر تنطلق نحو العالمية.. خطة شاملة لتدويل الجامعات وتعزيز تصدير التعليم
استقرار فني في منتخب مصر.. هاني وفتوح الأقرب لقيادة الأطراف أمام السعودية
تراجع نسبي في أسعار الذهب بمصر.. وعيار 18 يسجل 5889 جنيهًا وسط تقلبات السوق
صداقة أم خيانة؟ كيف تهدد ”صديقة الزوج” استقرار الأسر المصرية
«الشيوخ» يستأنف مناقشة قانون المستشفيات الجامعية بعد العيد.. صلاحيات حاسمة لضبط الأداء وحماية المرضى
شيخ الأزهر يهنئ الرئيس السيسي والشعب المصري بعيد الفطر ويدعو لوحدة الصف ونشر السلام
استقرار الدولار أمام الجنيه بالبنوك المصرية.. وترقب لتحركات الفائدة الأمريكية
زكاة الفطر والصاع: درس نقدي وعبرة معاصرة للأمة الإسلامية
الرئيس عبد الفتاح السيسي يهنئ الشعب المصري والعالم العربي والإسلامي بمناسبة العيد
أمهات مصر.. قصص كفاح تتوّج بلقب “الأم المثالية 2026”














