×
19 ذو الحجة 1447
5 يونيو 2026
الجمهورية الجديدة
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير: مرتضى أبوعقيل
أخبار عاجلة

الدكتور صلاح سالمان يكتب : أساتذة الجامعات.. جنود المعرفة وصُنّاع نهضة الأمم

الجمهورية الجديدة

حين نتحدث عن نهضة المجتمعات وتقدم الأمم، فإن الأنظار تتجه عادة إلى المشروعات الكبرى والمصانع والطرق والتكنولوجيا الحديثة، لكن الحقيقة أن وراء كل ذلك عقلاً علَّم، وباحثاً اجتهد، وأستاذاً جامعياً أسهم في إعداد الكفاءات التي تقود مسيرة التنمية.
فأستاذ الجامعة ليس مجرد مُلقّن للمعلومات داخل قاعة الدرس، بل هو مربٍّ للعقول، وموجّه للأفكار، وصانع للأجيال. فهو الذي يشارك في إعداد الطبيب الذي يحفظ حياة الناس، والمهندس الذي يبني المشروعات، والمعلم الذي يربي الأجيال، والباحث الذي يطور الصناعة والزراعة والاقتصاد. ومن ثم فإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل أي أمة يبدأ من دعم منظومتها الجامعية والاهتمام بأعضاء هيئة التدريس فيها.
ورغم عِظَم هذه الرسالة، فإن كثيراً من أساتذة الجامعات يواجهون تحديات جسيمة تؤثر في قدرتهم على أداء دورهم على الوجه الأمثل. ففي ظل ضعف المرتبات مقارنة بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، يجد العديد منهم أنفسهم أمام ضغوط معيشية متزايدة، في وقت تتطلب فيه مهنتهم التفرغ للبحث العلمي والتطوير المستمر والاطلاع على أحدث ما توصلت إليه العلوم والمعارف.
ولعل من أكثر المفارقات التي تستحق التوقف أن الأستاذ الجامعي يقضي رحلة علمية طويلة تبدأ بالتفوق الدراسي، ثم الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، ثم سنوات من البحث العلمي والنشر والترقيات الأكاديمية المتعاقبة، وقد تمتد هذه الرحلة إلى أكثر من خمسة وعشرين عاماً قبل الوصول إلى درجة الأستاذية الكاملة. ومع ذلك، يجد كثير من الأساتذة أن العائد المادي لا يتناسب مع حجم الجهد العلمي والزمني الذي بُذل للوصول إلى هذه المكانة.
وإذا ما نظرنا إلى أوضاع أعضاء هيئة التدريس في العديد من دول العالم، نجد أن الأستاذ الجامعي يحظى بمكانة مادية واجتماعية تُمكّنه من التفرغ للعلم والبحث والإبداع، باعتباره أحد أهم ركائز التنمية الوطنية. أما في مصر، فرغم المكانة العلمية المرموقة للأستاذ الجامعي، فإن التحديات الاقتصادية تجعل الفجوة واسعة بين ما يقدمه من عطاء وما يحصل عليه من مقابل، وهو ما ينعكس على قدرته على التفرغ الكامل للبحث العلمي والتطوير الأكاديمي.
ولا تقتصر المقارنة على المستوى الدولي فحسب، بل تمتد إلى داخل المجتمع نفسه. فكثير من خريجي كليات الطب والهندسة والحاسبات وإدارة الأعمال الذين تلقوا تعليمهم على أيدي أساتذتهم في الجامعات، قد يصل دخل بعضهم في القطاع الخاص أو الشركات الدولية أو المؤسسات المالية الكبرى خلال سنوات قليلة من التخرج إلى مستويات تماثل أو تتجاوز ما يحصل عليه أستاذ جامعي أمضى ربع قرن أو أكثر في التدريس والبحث العلمي وخدمة الجامعة. وليس المقصود من هذه المقارنة الانتقاص من نجاح هؤلاء الخريجين، بل إبراز الحاجة إلى إعادة النظر في أوضاع من أسهموا في إعدادهم وتأهيلهم وصناعة نجاحهم.
ولا تقتصر التحديات على الجانب المادي فحسب، بل تمتد إلى ضعف إمكانات البحث العلمي في كثير من المؤسسات الأكاديمية. فالباحث يحتاج إلى معامل مجهزة، وقواعد بيانات علمية حديثة، وتمويل كافٍ للمشروعات البحثية، وفرص للمشاركة في المؤتمرات العلمية الدولية. وعندما تغيب هذه المقومات، يصبح من الصعب المنافسة في سباق العلم والمعرفة الذي يشهده العالم اليوم.
كما تعاني بعض الجامعات من قصور في البنية التحتية والرقمية، سواء من حيث سرعة الإنترنت، أو توافر المنصات التعليمية المتطورة، أو تحديث المعامل والقاعات الدراسية والمكتبات. وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم يعد تطوير هذه البنية رفاهية، بل أصبح ضرورة أساسية لضمان جودة التعليم والبحث العلمي.
ومن المفارقات أيضاً أن كثيراً من المهام التي يؤديها أستاذ الجامعة لا يراها المجتمع. فخلف كل محاضرة ناجحة ساعات طويلة من الإعداد والتحضير، وخلف كل بحث علمي شهور وربما سنوات من العمل والمتابعة، فضلاً عن الإشراف على الرسائل العلمية، وتصحيح الامتحانات، وإعداد التقارير، والمشاركة في اللجان الأكاديمية والإدارية، والتواصل المستمر مع الطلاب. إنها مسؤوليات تمتد إلى ما بعد ساعات العمل الرسمية، وترافق الأستاذ الجامعي إلى منزله وعطلته وأوقات راحته.
ومع ذلك، يواصل أساتذة الجامعات أداء رسالتهم بإخلاص، مدفوعين بإيمانهم بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الأمم لمستقبلها. فهم يدركون أن طالب اليوم هو قائد الغد، وأن كلمة صادقة أو نصيحة مخلصة أو فكرة ملهمة قد تغيّر مسار حياة إنسان، بل وربما مستقبل مجتمع بأكمله.
إن دعم أساتذة الجامعات ليس مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية. فالأمم التي تكرم معلميها وباحثيها وتحسن أوضاعهم وتوفر لهم بيئة علمية متطورة، هي الأمم الأقدر على المنافسة والابتكار وتحقيق التنمية المستدامة. كما أن تطوير منظومة التعليم العالي لا يقتصر على إنشاء المباني الجديدة أو زيادة أعداد الجامعات، بل يتطلب الاستثمار في العنصر البشري الذي يمثل القلب النابض لهذه المنظومة، وهو عضو هيئة التدريس.
وفي النهاية، يبقى أستاذ الجامعة أحد أهم أعمدة بناء المجتمع الحديث؛ فهو حامل رسالة العلم، وصانع الوعي، وحارس المعرفة. ومن حقه على المجتمع أن يقدر جهده، وأن يوفر له حياة كريمة، وبيئة بحثية متطورة، وإمكانات علمية ورقمية تواكب العصر، حتى يظل التعليم العالي قاطرة حقيقية للتقدم والنهضة والتنمية. فنهضة الأمم لا تُبنى بالمباني وحدها، بل تُبنى أولاً بالعقول التي تُخرّجها الجامعات، وبالأساتذة الذين يهبون أعمارهم لصناعة تلك العقول.

دكتور صلاح سالمان
استاذ ورئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر بنين بالقاهرة

أساتذة الجامعات جنود المعرفة وصُنّاع نهضة الأمم

استطلاع الرأي

أسعار الذهب

متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
عيار 24 بيع 2,526 شراء 2,537
عيار 22 بيع 2,315 شراء 2,326
عيار 21 بيع 2,210 شراء 2,220
عيار 18 بيع 1,894 شراء 1,903
الاونصة بيع 78,550 شراء 78,905
الجنيه الذهب بيع 17,680 شراء 17,760
الكيلو بيع 2,525,714 شراء 2,537,143
سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى

مواقيت الصلاة

الجمعة 06:42 مـ
19 ذو الحجة 1447 هـ 05 يونيو 2026 م
مصر
الفجر 03:09
الشروق 04:54
الظهر 11:53
العصر 15:29
المغرب 18:53
العشاء 20:26