أماني أبوالعينين تكتب : المرأة والأسرة بين الوعي والمسؤولية.. كيف نحمي المجتمع من التفكك؟
لم تعد قضية استقرار الأسرة في المجتمع المصري مجرد شأن اجتماعي عابر، بل أصبحت قضية أمن مجتمعي وفكري وإنساني تمس حاضر الوطن ومستقبله. فمع تصاعد معدلات الطلاق، وازدياد جرائم العنف الأسري، وحالات القتل والإصابات والعاهات الناتجة عن الخلافات الزوجية، بات من الضروري أن نتوقف أمام الأسباب الحقيقية التي أوصلت بعض الأسر إلى هذا المشهد المؤلم، وأن نبحث بصدق عن حلول واقعية تعيد للأسرة المصرية توازنها واستقرارها.
ولا شك أن المرأة المصرية كانت وما زالت عنصرًا رئيسيًا في بناء المجتمع، ليس فقط داخل بيتها، بل أيضًا في ميادين العمل العام والمجتمع المدني والتنمية.. فقد استطاعت المرأة خلال السنوات الأخيرة أن تثبت قدرتها على القيادة والتأثير والمشاركة الفاعلة في مختلف المجالات، وأصبحت شريكًا أساسيًا في بناء الدولة الحديثة، بدءًا من العمل الاجتماعي والخيري، وصولًا إلى المناصب القيادية وصناعة القرار.
وقد أدركت الدولة المصرية هذه الحقيقة مبكرًا، فحرصت على دعم المرأة وتمكينها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، انطلاقًا من إيمان القيادة السياسية بأن استقرار الأسرة يبدأ من تمكين المرأة الواعية القادرة على التربية والبناء وصناعة الأجيال.
وفي هذا الإطار، لعب المجلس القومي للمرأة دورًا بارزًا في دعم المرأة المصرية وتوعيتها بحقوقها وواجباتها، من خلال المبادرات والبرامج التثقيفية التي تستهدف تعزيز الوعي الأسري والاجتماعي، والتأكيد على أهمية الاختيار السليم لشريك الحياة، وتحمل المسؤولية الأسرية، والتصدي لمظاهر العنف والتفكك الأسري.
اقرأ أيضاً
من حضرة سيدنا النبي محمد ﷺ إلى أهل التربية كيف كان يُبنى الإنسان؟
«الصحة النفسية على طاولة المجتمع المدني».. طلعت عبد القوي يقود تحركًا موسعًا لتطوير مراكز العلاج وتحديث التشريعات
منخفض القطارة ومياه النيل: رؤية آمنة للتنمية بدلًا من مخاطر مياه البحر
الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي .. قراءة في أزمة المعنى وعودة الحاجة إلى التربية الروحية
تحت مظلة الأزهر الشريف.. استعدادات مكثفة لافتتاح معهد فتيات بناأبو صير بعد تطويره وتحويله إلى صرح تعليمي متكامل
التصوف الإسلامي في إطار مشروع بِنية الإنسان من إصلاح القلب إلى تحقيق مقام الإحسان .. تربية القلب حتى يعيش مع الله بصدق وبساطة طريق الإحسان
الدكتور صلاح سالمان يكتب : الإيمان والأخلاق صمام أمان المجتمعات
انطلاق المؤتمر الأول لمجلس أمناء الآباء والمعلمين بمحافظة سوهاج
راشد والنعماني وعدد من القيادات يشاركون في زراعة أشجار الزيتون رمز السلام احتفالًا بعيد تحرير سيناء
حروب الوعي في عصر الشاشات.. كيف سقطت ماكينة التضليل الإخوانية أمام يقظة المصريين؟
في ذكرى تحرير سيناء وعيد العمال.. تحية تقدير من الاتحاد الإقليمي للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالغربية للقيادة السياسية وأبطال الوطن
أماني أبوالعينين تكتب : من ميادين القتال إلى مواقع البناء.. الجيش المصري يحمي الأرض والعمال يبنون المستقبل في سيناء
لكن رغم كل هذه الجهود، تبقى هناك أزمة حقيقية تتعلق بغياب الوعي الفكري والثقافي داخل بعض الأسر، خاصة عند زواج الفتيات دون إعداد نفسي أو فكري أو اجتماعي كافٍ. فكثير من الزيجات اليوم تُبنى على المظاهر أو الاعتبارات المادية فقط، دون تحرٍ دقيق عن أخلاق الزوج أو طباعه أو قدرته على تحمل المسؤولية، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى صدامات وخلافات تتحول أحيانًا إلى كوارث إنسانية تهدد الأسرة بأكملها.
إن المشكلة الحقيقية ليست فقط في الظروف الاقتصادية أو ضغوط الحياة، بل في غياب ثقافة الاختيار الصحيح، وضعف التربية الفكرية والاجتماعية لدى بعض الأسر. فهناك من يزوج ابنته دون معرفة حقيقية بطبيعة الشخص الذي سيدخل حياته وحياتها، ودون التأكد من بيئته وأخلاقه وسلوكه وقدرته النفسية على بناء بيت مستقر. وفي المقابل، هناك شباب يدخلون الزواج دون إدراك لمعنى المسؤولية والاحتواء والاحترام المتبادل.
ومن هنا تتضاعف المسؤولية على الأسرة المصرية، التي يجب أن تعود إلى دورها الحقيقي في التربية وغرس القيم والأخلاق والوعي، لا أن تكتفي بتوفير متطلبات الحياة المادية فقط.. فالثقافة الأسرية ليست رفاهية، بل هي خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي.
كما أن للمؤسسات الدينية دورًا محوريًا في مواجهة هذه الظواهر، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي يواصل جهوده في نشر الفكر الوسطي المعتدل، والتأكيد على أهمية بناء الأسرة على أسس دينية وأخلاقية سليمة، والدعوة إلى حسن الاختيار والرحمة والمودة بين الزوجين. فالإسلام لم يجعل الزواج مجرد علاقة شكلية، بل ميثاقًا غليظًا يقوم على المسؤولية والاحترام والتعاون.
كذلك لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في التوعية الأسرية والاجتماعية، من خلال الندوات والدورات والمبادرات التي تستهدف الشباب والفتيات المقبلين على الزواج، وتعمل على نشر ثقافة الحوار وتحمل المسؤولية والتعامل الإنساني داخل الأسرة.
إن المجتمع المدني اليوم مطالب بأن يكون شريكًا حقيقيًا في حماية الأسرة المصرية، لا مجرد متابع للأزمات بعد وقوعها.. فالمطلوب هو العمل على الوقاية قبل العلاج، من خلال نشر الوعي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية والأخلاقية التي تحفظ كيان الأسرة.
وفي الحقيقة، فإن الحفاظ على الأسرة المصرية أصبح مشروع دولة كاملة، تعمل عليه مختلف المؤسسات الرسمية والدينية والاجتماعية، لأن استقرار الأسرة يعني استقرار المجتمع كله.. فالدولة المصرية تبذل جهودًا كبيرة في ملف الحماية الاجتماعية ودعم المرأة وتمكين الشباب، إلى جانب المبادرات الرئاسية التي تستهدف بناء الإنسان المصري وتعزيز التماسك الأسري.
لكن كل هذه الجهود لن تحقق أهدافها كاملة إلا إذا عاد الوعي إلى داخل البيوت، وأدركت الأسر أن حسن الاختيار ليس رفاهية، وأن الزواج مسؤولية قبل أن يكون مناسبة اجتماعية، وأن التربية والثقافة والوعي هي الأساس الحقيقي لبناء بيت آمن ومستقر.
إننا اليوم أمام ضرورة مجتمعية ملحة لإعادة بناء الفكر الأسري، وترسيخ ثقافة المسؤولية والاحترام والاختيار السليم، حتى لا تتحول البيوت إلى ساحات صراع، وحتى نحمي أبناءنا وبناتنا من مصير مؤلم يدفع ثمنه المجتمع بأكمله.
















