حسن محمود حفني يكتب: التصوف أحد أسرار روح الأمة وحارس العقيدة والدين
- التصوف في مواجهة أكبر فتنة عرفها الإنسان المعاصر
إذا كانت الأمم في الماضي تخشى الحروب التي تهدد أوطانها، فإن الإنسان المعاصر يعيش نوعًا آخر من الحروب، ربما كان أشد تعقيدًا وأبعد أثرًا.
فنحن لا نعيش فقط زمن الصراعات السياسية والاقتصادية، بل نعيش زمنًا أصبحت فيه الأفكار نفسها ميدانًا للصراع، وأصبح الجدل حول العقيدة والهوية والمعنى والثوابت جزءًا من الحياة اليومية للناس.
ومن يتأمل المشهد المعاصر يلاحظ أن كثيرًا من القضايا التي ظلت محل اتفاق بين عامة المسلمين وعلمائهم عبر القرون، أصبحت اليوم محل نقاش واسع، وأن الشاب المسلم أصبح يسمع في اليوم الواحد عشرات التصورات المختلفة والقراءات المتعددة، حتى بات يعيش حالة من التدافع الفكري المتواصل.
فالحديث عن مكانة السنة النبوية، وعن طبيعة الأسرة، وعن الفطرة الإنسانية، وعن العلاقة بين الثابت والمتغير، وعن حدود التجديد والاجتهاد، وعن المرجعية الدينية، لم يعد مقصورًا على المؤسسات العلمية ومجالس العلماء، بل أصبح حاضرًا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل والفضاء الرقمي المفتوح، حتى أصبح الإنسان العادي يسمع من الآراء المتعارضة في يوم واحد ما كان يسمعه الناس قديمًا في سنوات طويلة.
اقرأ أيضاً
حسن محمود حفني يكتب : أسرار بناء الإنسان: لماذا لم يبدأ لقمان الحكيم بتغيير العالم بل بدأ بتربية الإنسان؟
كيف حوّلت الدعاية بعض مسارات التصوف إلى صناعة للنجومية الروحية
حسن محمود حفني يكتب: علمُ التصوف ليس مسؤولًا عن كل ما أُلصق به من ممارسات أو أفكار
الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي .. قراءة في أزمة المعنى وعودة الحاجة إلى التربية الروحية
التصوف الإسلامي في إطار مشروع بِنية الإنسان من إصلاح القلب إلى تحقيق مقام الإحسان .. تربية القلب حتى يعيش مع الله بصدق وبساطة طريق الإحسان
غدا الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ افتتاح المؤتمر الطبي الدولي الخامس بجامعة ميريت بسوهاج
وحدة الأمة… طريقنا نحو السلام
”وزارة الصحة” تستقدم 4 خبراء دوليين في تخصصات دقيقة لتعزيز جودة الخدمات الطبية ونقل أحدث التقنيات
وادي حميثرة: رحلة بين الطبيعة الروحانية وآثار الأولياء في صحراء مرسى علم
الأقباط الكاثوليك يهنئون محافظ أسوان بعيد الفطر ويؤكدون على روح الوحدة الوطنية
مطروح تتجه لتعزيز الكهرباء والمياه استعدادًا لموسم الصيف
باستخدام أحدث بروتوكولات العلاج.. مستشفيات سوهاج الجامعية تعالج 20 حالة سكتة دماغية حادة بنجاح
وليس المقصود من ذلك رفض الاجتهاد أو محاربة التجديد، فالتجديد المنضبط أصل من أصول هذه الأمة، والاجتهاد المنضبط بالكتاب والسنة وبقواعد أهل العلم كان سببًا في ثراء الحضارة الإسلامية واتساع مدارسها الفقهية والفكرية.
غير أن المتابع للمشهد الفكري المعاصر يلاحظ وجود اتجاهات متعددة تتباين في رؤيتها لطبيعة النصوص الشرعية، ولطريقة التعامل مع التراث، ولحدود الثابت والمتغير، وقد تثير بعض هذه الأطروحات نقاشات واسعة بين العلماء والباحثين، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تمثل جزءًا من البناء العقدي والقيمي الذي استقر عليه جمهور الأمة عبر القرون.
ومن طبيعة الفتن الكبرى أنها لا تأتي دائمًا في صورة المواجهة الصريحة، بل قد تأتي في صورة أسئلة متتابعة، أو شعارات جذابة، أو دعوات تحمل عناوين التحديث والتجديد، بينما يبقى الميزان عند أهل العلم هو مدى انضباط الأفكار بالكتاب والسنة، وما جرى عليه فهم الأمة وأئمتها المعتبرين.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى بناء اليقين حاجة لا تقل أهمية عن الحاجة إلى بناء المعرفة.
فكثرة المعلومات وحدها لا تكفي لحماية الإنسان من الحيرة، وكثرة الجدل لا تكفي وحدها لصناعة الإيمان، كما أن الانتصار في المعارك الفكرية لا يعني بالضرورة بناء الإنسان القادر على حمل هذا الدين.
ولهذا لم يكن الإسلام في تاريخه مجرد منظومة من الأحكام المجردة، ولا مجرد قضايا عقلية وفلسفية، وإنما قام بنيانه على أركان ثلاثة بينها حديث جبريل المشهور: الإسلام، والإيمان، والإحسان.
فإذا كان الفقهاء قد اعتنوا ببيان الأحكام، وإذا كان علماء العقيدة قد اعتنوا بحفظ أصول الاعتقاد، فإن علم الإحسان وتزكية النفوس ظل يمثل أحد الأبعاد الأساسية في بناء الإنسان المسلم.
ومن هنا نفهم المكانة التي احتلها التصوف السني المنضبط في تاريخ الأمة.
فالتصوف في صورته العلمية والتربوية التي التزمت بالكتاب والسنة، لم يكن يومًا علمًا منفصلًا عن علوم الشريعة، ولم يكن دعوة إلى الانعزال عن المجتمع، ولا إقامة دين جديد، بل كان مدرسة تهتم بإحياء معاني الإخلاص والمراقبة واليقين ومحاسبة النفس، وربط العلم بالعمل، والعقيدة بالسلوك، والفقه بالحياة.
ولذلك نجد كبار الأئمة الذين خدموا علوم الإسلام، لم يروا تعارضًا بين العلم والتزكية، ولا بين العقيدة والإحسان، بل كانوا ينظرون إلى هذه العلوم باعتبارها أبعادًا متكاملة في بناء الإنسان المسلم.
ولم يكن اهتمام علماء التصوف السني ببناء القلب أمرًا ثانويًا، بل كان نابعًا من إدراك عميق لطبيعة الإنسان، وأن أكبر الانحرافات لا تبدأ دائمًا من ضعف المعلومات، بل قد تبدأ من قسوة القلب، وضعف الصلة بالله، وتحول الدين إلى معلومات ذهنية أو خصومات فكرية لا تنعكس على السلوك والحياة.
ولهذا اعتنى أئمة التربية والتزكية عبر العصور بتربية النفوس على الصدق والإخلاص والتواضع ومجاهدة الهوى، إدراكًا منهم أن الإنسان قد يعرف الحق، لكنه يحتاج كذلك إلى قلب يحبه، وإرادة تعيشه، ونفس تتربى عليه.
ومن هنا يمكن فهم الدور الذي قام به التصوف السني في مواجهة صور متعددة من الغلو والانحراف عبر التاريخ، إذ لم يكن همه الدخول في الصراعات بقدر ما كان همه بناء الإنسان الذي يحمل العلم، ويحفظ العقيدة، ويعيش معاني الإحسان.
فالقضية في النهاية ليست قضية أسماء وشعارات، ولا قضية انتصار اتجاه على اتجاه، وإنما قضية الإنسان نفسه.
كيف يحافظ على يقينه في زمن كثرت فيه الشبهات؟
وكيف يحفظ قلبه في عالم تتزاحم فيه الأصوات؟
وكيف يجمع بين صحة الاعتقاد وحياة الروح؟
وكيف يتحول الدين عنده من معلومات يعرفها إلى نور يعيشه؟
ولعل هذه الأسئلة هي التي تجعل الحديث عن التصوف السني حديثًا عن أحد العلوم التي ساهمت في بناء الإنسان المسلم، وحفظ الهوية، وربط ظاهر الدين بروحه، والعلم بالإحسان، والعقيدة بالسلوك.
ولذلك فإن دراسة التراث الصوفي السني، وقراءة أدواره العلمية والتربوية والتاريخية، ليست دعوة إلى الانغلاق على الماضي، ولا رفضًا للتجديد المشروع، وإنما هي محاولة لفهم أحد المكونات الأساسية التي ساهمت في تشكيل روح الأمة، وحفظ توازنها، وبناء إنسانها عبر قرون طويلة.
- تنويه
هذا المقال هو بداية سلسلة بعنوان: «التصوف… أحد أسرار روح الأمة وحارس العقيدة والدين»
وهي سلسلة تحاول قراءة الأدوار العلمية والتربوية والتاريخية التي قام بها التصوف السني في بناء الإنسان، وحفظ الهوية، وخدمة العلم، ومواجهة الغلو والانحراف، والتعامل مع تحديات العصر، انطلاقًا من أن حفظ الدين لا يكون بالصراع وحده، وإنما ببناء الإنسان الذي يحمل هذا الدين.














