الدكتور صلاح سالمان يكتب: من المسؤول عن جيل يرى الغش حقًا مكتسبًا؟
لم تعد ظاهرة الغش في الامتحانات مجرد مخالفة تربوية عابرة أو سلوك فردي يقوم به بعض الطلاب بحثًا عن درجات إضافية، بل تحولت إلى أزمة أخلاقية ومجتمعية حقيقية تستحق التوقف أمامها طويلًا. فالمشاهد التي تابعها المصريون خلال مواسم الامتحانات الأخيرة لم تكن صادمة بسبب انتشار الغش فحسب، بل بسبب ردود الأفعال التي صاحبت ضبطه، حيث شاهدنا طلابًا يحتجون بعنف، وآخرين يعتدون لفظيًا وربما جسديًا على المراقبين، وكأن المراقب ارتكب جرمًا حين منع الغش، أو سلب الطالب حقًا أصيلًا من حقوقه. وهنا يبرز السؤال الأكثر خطورة: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الغش لدى البعض حقًا مكتسبًا لا جريمة أخلاقية تستوجب الخجل والندم؟
في الماضي لم يكن الطالب الذي يغش يخشى العقوبة فقط، بل كان يخجل من نفسه ومن أسرته ومن مجتمعه إذا افتضح أمره. أما اليوم فقد تغيرت المعايير لدى البعض، وأصبح النجاح هو الهدف بأي وسيلة، واختزلت العملية التعليمية كلها في رقم على ورقة أو مجموع يفتح باب كلية معينة، بينما تراجع الحديث عن العلم والأمانة والاجتهاد والاستحقاق. لقد أصبح كثيرون يقيسون النجاح بالنتائج لا بالوسائل، وبالوصول لا بالطريق الذي أوصل إليهم.
هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة تراجعت خلالها أدوار مؤسسات التربية الأساسية. فالأسرة التي كانت تغرس في أبنائها الصدق والأمانة انشغل كثير منها بضغوط الحياة ومتطلباتها الاقتصادية. والمدرسة التي كانت شريكًا في التربية قبل التعليم أصبحت في كثير من الأحيان أسيرة المناهج والامتحانات والدروس الخصوصية. وحتى الخطاب الديني الذي كان يربط الأخلاق بالعقيدة ويجعل مراقبة الله فوق كل اعتبار، لم يعد تأثيره بالقوة المطلوبة في مواجهة سيل هائل من الرسائل السلبية القادمة من وسائل الإعلام ومنصات التواصل وبعض النماذج التي يراها الشباب حولهم.
ومع التطور التقني المتسارع، برز عامل جديد زاد من تعقيد الأزمة، وهو الاستخدام المفرط لتطبيقات وبرامج الذكاء الاصطناعي. فقد تحول عند بعض الطلاب من أداة مساعدة في الفهم والتعلم إلى بديل كامل للعقل والتفكير، حتى أصبح الطالب يعتمد عليه في حل الواجبات وكتابة الأبحاث والإجابة عن الأسئلة بشكل آلي، مما أضعف قدراته الذهنية تدريجيًا، وأفقده مهارة التحليل والاستنتاج. ومع الوقت نشأ جيل يجد صعوبة حقيقية في دخول الامتحان أو التعامل مع الأسئلة بدون هذه الأدوات، لأنه لم يعد يمارس التفكير بنفسه، بل اعتاد أن يفكر عنه “النظام”. وهكذا انتقلنا من غش داخل اللجنة إلى اعتماد سابق عليها خارجها، وهو ما يمثل خطورة أشد، لأنه يفرغ العملية التعليمية من جوهرها تمامًا.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الطالب لم يعد يرى الغش باعتباره سرقة لجهد الآخرين أو خيانة للأمانة، بل أصبح يجد له عشرات المبررات. فهذا يقول إن الامتحان صعب، وذاك يقول إن الجميع يفعلون ذلك، وثالث يزعم أن الظروف أجبرته، ورابع يرى أن حصوله على الدرجة أهم من الطريقة التي حصل بها عليها. ومع تكرار هذه المبررات يتحول الخطأ إلى عادة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى قناعة راسخة بأن الغش ليس جريمة بل وسيلة مشروعة لتحقيق الهدف.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن الغش لا يبدأ وينتهي داخل لجنة الامتحان. فالطالب الذي يعتاد الحصول على ما لا يستحقه قد يحمل هذه الثقافة معه إلى الجامعة ثم إلى الوظيفة ثم إلى الحياة كلها. وعندما يصبح الغش مقبولًا في الامتحان، يصبح التزوير مقبولًا في الأوراق، والرشوة مقبولة في المصالح، والخداع مقبولًا في التجارة. إن المجتمع الذي يتسامح مع الغش الصغير يفتح الباب أمام فساد أكبر بكثير.
ولهذا جاء موقف الإسلام حاسمًا لا يقبل التأويل. فقد قال الله تعالى: *﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. وإذا كان الوعيد شديدًا لمن يغش في الكيل والميزان، فكيف بمن يغش في العلم والمؤهلات والحقوق؟ وقال تعالى: *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾*. أما النبي ﷺ فقد أغلق الباب تمامًا أمام أي تبرير حين قال: *"من غش فليس منا"**. لم يقل من غش في التجارة فقط، أو في البيع والشراء فقط، بل جاءت العبارة عامة شاملة لكل صور الغش والخداع والتدليس.
وقد فهم أسلافنا هذه المعاني بعمق. فحين طلبت أم من ابنتها أن تخلط اللبن بالماء لتزيد الربح، قالت لها: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك. فقالت الأم: إن عمر لا يراك. فأجابتها الفتاة بكلمات خلدها التاريخ: "إن كان عمر لا يراني فإن رب عمر يراني". هذه الكلمات البسيطة صنعت أمة من الأمناء؛ لأنها قامت على رقابة الضمير قبل رقابة القانون.
أما اليوم فقد أصبح بعض الطلاب يخشون المراقب أكثر مما يخشون الله، فإذا غاب المراقب حضر الغش، وإذا حضر المراقب تحول في نظرهم إلى خصم وعدو. وهذه هي الكارثة الحقيقية؛ أن تتحول الأمانة إلى استثناء، وأن يصبح من يطبق القانون متهمًا بدلًا من أن يكون محل تقدير واحترام.
إن أخطر ما في الغش أنه لا ينتج مجرد طالب حصل على درجات لا يستحقها، بل قد ينتج طبيبًا لا يملك العلم الكافي لعلاج المرضى، أو مهندسًا لا يملك الكفاءة لحماية أرواح الناس، أو معلمًا ينقل الجهل بدلًا من المعرفة. وعندما يحدث ذلك لا يدفع الثمن الغشاش وحده، بل يدفعه المجتمع بأكمله.
إن مواجهة هذه الظاهرة لن تتحقق بزيادة عدد المراقبين أو تشديد العقوبات فقط، رغم أهمية ذلك، وإنما تبدأ بإعادة بناء منظومة القيم التي اهتزت خلال السنوات الماضية. نحتاج إلى أسرة تعلم أبناءها أن الرسوب بشرف خير من نجاح بالغش، وإلى مدرسة تجعل الأمانة قيمة لا تقل أهمية عن التفوق، وإلى خطاب ديني يذكر الناس بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وإلى مجتمع يكافئ الكفاءة الحقيقية لا الشهادات الورقية.
فالأمم لا تبنى بالمخادعين مهما ارتفعت درجاتهم، ولا بالغشاشين مهما كثرت شهاداتهم، وإنما تبنى بالأمناء الذين يخافون الله في السر قبل العلن. وإذا كنا منزعجين اليوم من مشاهد العنف داخل لجان الامتحانات، فإن علينا أن نسأل أنفسنا أولًا: ماذا فعلنا حتى أقنعنا بعض أبنائنا بأن الغش حق، وأن من يمنعه معتدٍ على حقوقهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي بداية الطريق نحو الحل، أما تجاهله فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانحدار الأخلاقي الذي لا يقل خطورة عن أي أزمة اقتصادية أو تعليمية نواجهها.
دكتور صلاح سالمان
استاذ ورئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر بنين بالقاهرة
















