الدكتور محمود الجندي يكتب: الصِّيَامُ رُقِيٌّ لِلرُّوحِ وَتَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ
نعم، في الصيام ترتقي الأنفس، وتعلو الأرواح حتى تبلغ صفاءً وشفافيةً وإيمانًا راقيًا جميلًا، منزهًا عن الرِّياء. وكيف لا، وهو عبادةٌ بين العبد وربه، لا يطَّلع على حقيقتها إلا الله؟ فلا يُحكَم عليها بمظهرٍ أو قول، وإنما بصدق النية وإخلاص الضمير.
فهذا الصائم يراقب ربَّه في خلواته وسرِّه وعلانيته؛ فلا يشرب حين يعطش، ولا يأكل حين يجوع، ولو كان في بيته وحيدًا بعيدًا عن أعين الناس وألسنتهم. قد لا يراه أحد من الخلق، لكنه يعلم يقينًا أن الله يراه، وأن الملائكة تكتب كل صغيرة وكبيرة. لذلك يُقبِل على الصوم بحبٍّ وشوق، طامعًا في مرتبةٍ عليا عند رب البرية، لا ينالها إلا الصائم التقي الصادق، ليغفر له ربه يوم يلقاه.
وقد عبَّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن حكمة الصيام بقوله: "إنَّ الصومَ حرمانٌ مشروع، وتأديبٌ بالجوع، وخشوعٌ لله وخضوع. لكلِّ فريضةٍ حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة؛ يستثير الشفقة، ويحضُّ على الصدقة، ويكسر الكِبر، ويُعلِّم الصبر، ويُسنُّ خلاله البر؛ حتى إذا جاع من ألف الشِّبع، وحُرِم المُترَف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وكيف ألمه إذا لذع".
إن الجوع والحرمان يُنَمِّيان بصيرة الإنسان، وللصوم فوائد كبرى، روحيةً وأخلاقيةً واجتماعية. فيتحول "الجوع" عند الصائم من ألمٍ بدنيٍّ إلى "نورٍ قلبيٍّ"؛ لأن الجوع الإرادي بمثابة عمليةٍ جراحيةٍ نفسيةٍ دقيقة، تستهدف استئصال أورام الكِبر والعُجب من النفس. فإذا خَلَت المعدة، رقَّت الجوارح، وصفا القلب، وسمع العبد نداءات الملكوت.
هذا الحرمان الذي يختاره المؤمن طواعيةً هو تدريبٌ على الحرية الحقيقية؛ فالحرُّ ليس من يفعل ما يشاء، بل من يملك إرادة الترك والامتناع عمّا يشتهي إذا كان ذلك في مرضاة الله سبحانه وتعالى.
إن الجوع يكسر الأنانية المتكبرة الكامنة في الإنسان، تلك النبرة التي تقول: "أنا". فحين يضعف الجسد، وتذل النفس للجوع، تدرك افتقارها التام إلى خالقها. وهذا الافتقار هو بوابة الغنى بالله. ومن هنا تتبدى أسرار الصيام في اللحظات التي يشعر فيها الصائم بضعفه، فيناجي ربه بقلبٍ منكسر، فيتنزل عليه من الفيوضات والفتوح ما لا يدركه أصحاب الموائد العامرة.
ويكفي أن نتذكر الحديث القدسي الجليل، الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (رواه محمد ﷺ).
فالصيام هو "السرُّ المصون" الذي لا يقع فيه الرياء؛ لأنه قائمٌ على نيةٍ باطنة لا يعلمها إلا الله، وتركٍ للشهوات قد يستخفي المرء بتناولها في العادة. وقد قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
"إن الصيام سرٌّ بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره؛ لأنه مركب من نيةٍ باطنة لا يطلع عليها إلا الله، وتركٍ لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها في العادة؛ ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة، وقيل: إنه ليس فيه رياء".
إن الصائم الذي يترك شهوته من أجل الله يتصف بصفةٍ من صفات التنزّه، فيرتقي من الرتبة البشرية المثقلة بالشهوات إلى الرتبة الملكوتية اللطيفة. وفي هذا المعنى يقول أبو سليمان الداراني.
"مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع".
والصيام كذلك تهذيبٌ للنفس وترويضٌ لها؛ لتعلم أن ليس كل شيءٍ مباحًا في كل وقت، بل هناك نظامٌ ربانيٌّ وقانونٌ إلهيٌّ لا نحيد عنه. فإذا أمر الله وجبت الطاعة والاستجابة. فقد أمرنا بالامتناع عن المأكل والمشرب، وهما في الأصل حلالان، لكنهما يصيران حرامًا على من تناولهما في نهار رمضان وهو صائمٌ عامدٌ قاصدٌ.
وهنا يستشعر الصائم ألم الجوع والعطش، فيتذكر آلام الجوعى والمحرومين، فيسارع إلى البذل والعطاء؛ زكاةً وصدقةً وإطعامًا. فنرى تلاحمًا عجيبًا بين الغني والفقير؛ الغنيُّ يتواضع، والفقير يشعر أنه ليس وحده، بل هناك من يواسيه ويشاركه الإحساس بحاله، فتسود المحبة، ويعمُّ الود، وتذوب الأحقاد والضغائن.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 183]
فغاية الصيام تحقيق التقوى؛ تلك الرقابة الداخلية التي تُصلح الظاهر والباطن، وتُزكِّي الروح، وتسمو بالنفس إلى مدارج القرب من الله.
سبحان الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
تقبَّل الله صيامكم وقيامكم وطاعتكم، وختم شهركم بالقبول، وبلَّغكم ليلة القدر، وأعانكم على اغتنام ثوابها وبركتها.
ولا تنسونا من صالح دعائكم.
د/ محمود الجندي .. دكتوراه الإعلام السيكولوجي والخبير الأعلامي


















