حروب الوعي في عصر الشاشات.. كيف سقطت ماكينة التضليل الإخوانية أمام يقظة المصريين؟
منذ اللحظة الفارقة التي أعقبت ثورة 30 يونيو، دخلت جماعة الإخوان مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد ساحاتها الشوارع أو المنصات السياسية التقليدية، بل تحولت إلى الفضاء الرقمي والإعلامي، حيث راهنت الجماعة على ما يمكن تسميته بـ"حروب الوعي" كبديل عن حضورها المتراجع على الأرض. وعلى مدار أكثر من عقد، سعت هذه الماكينة الدعائية إلى إعادة تشكيل إدراك المواطن المصري عبر أدوات متطورة من التلاعب بالمحتوى، غير أن هذه المحاولات اصطدمت تدريجيًا بجدار صلب من الوعي المجتمعي المتنامي.
في هذا السياق، اعتمدت المنصات المرتبطة بالجماعة على استراتيجية متعددة الأبعاد، قوامها إعادة تدوير الأخبار القديمة، واقتطاع التصريحات من سياقها، وتضخيم الأحداث الفردية لتبدو وكأنها ظواهر عامة. ولم تكن هذه الأدوات جديدة في عالم الإعلام، لكنها اكتسبت خطورة مضاعفة في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى ساحة مفتوحة لبث الرسائل دون تدقيق أو تحقق فوري.
واحدة من أبرز هذه الوقائع تعود إلى عام 2019، حين جرى التلاعب بتصريحات الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة آنذاك. فقد تم تداول مقطع فيديو مجتزأ يوحي بأن الدولة تشجع المواطنين على إرسال أبنائهم للتعليم في الخارج على نفقتها، في محاولة لإثارة الغضب الشعبي. لكن مراجعة التصريحات الكاملة كشفت أن الحديث كان موجهاً لشريحة محددة من الأطباء الشباب، في إطار خطة لتأهيل الكوادر الطبية عبر برامج تدريب دولية، وهو ما عكس في جوهره توجهًا استثماريًا في العنصر البشري، لا عبئًا على الدولة كما حاولت المنصات المضللة تصويره.
هذا النمط من "الاجتزاء المضلل" لم يكن سوى أحد أوجه الاستراتيجية، التي تطورت لاحقًا إلى فبركة مقاطع مصورة بالكامل. ففي عام 2022، انتشر مقطع فيديو عبر قنوات محسوبة على الجماعة، زُعم أنه يوثق أحداث عنف داخل محافظة السويس. غير أن التحليل التقني للمحتوى، باستخدام أدوات التحقق الرقمي، كشف أن الفيديو يعود إلى أحداث خارج مصر، وأن إعادة نشره جاءت في توقيت محسوب لإثارة القلق والتشكيك في حالة الاستقرار الداخلي.
ولم تسلم القضايا التنموية الكبرى من هذا الاستهداف المنهجي. فقد تعرضت مشروعات البنية التحتية، وعلى رأسها قناة السويس الجديدة، لحملات تشكيك متواصلة منذ الإعلان عنها. بدأت هذه الحملات بالتساؤل حول الجدوى الاقتصادية، ثم تطورت إلى التشكيك في قدرة الدولة على التنفيذ ضمن الإطار الزمني المحدد، قبل أن تصل إلى حد الترويج لفشل المشروع قبل اكتماله. غير أن الافتتاح الرسمي للمشروع، بحضور دولي واسع، شكّل لحظة فارقة كشفت حجم التباين بين الخطاب الدعائي والواقع الفعلي.
وفي السياق ذاته، تعرضت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي لعمليات مونتاج متعمدة، خاصة فيما يتعلق بملف تطوير السكك الحديدية. حيث جرى اقتطاع أجزاء من حديثه لإظهار موقف سلبي من عملية التطوير، في حين أن السياق الكامل كان يتناول خطة شاملة لتحديث المنظومة باستثمارات ضخمة، بهدف تحسين جودة الخدمات وتقليل الحوادث.
اللافت أن هذه الحملات لم تقتصر على الشأن السياسي أو الاقتصادي، بل امتدت إلى المجال الثقافي والفني، في محاولة لاستغلال رمزية القوى الناعمة المصرية. فقد أعيد تداول مقاطع قديمة للفنان عادل إمام، مع إعادة توظيفها لخدمة روايات تتحدث عن التضييق على حرية الإبداع، رغم أن الواقع أظهر استمرار نشاطه الفني وظهوره في أعمال جديدة، ما كشف التناقض الواضح بين الادعاءات والحقيقة.
ومع تطور هذه الأساليب، برزت في المقابل ظاهرة "المواطن المحقق"، حيث أصبح قطاع واسع من المصريين يمتلك أدوات التحقق الرقمي، سواء عبر البحث العكسي عن الصور أو متابعة منصات تدقيق المعلومات. هذا التحول النوعي في سلوك الجمهور ساهم في تقليص تأثير الحملات المضللة، بل وتحويلها في كثير من الأحيان إلى مادة للسخرية والتندر على مواقع التواصل.
كما لعبت المؤسسات الإعلامية الوطنية دورًا متزايدًا في مواجهة هذا النمط من التضليل، عبر تقديم محتوى توضيحي يعتمد على الحقائق والبيانات، إلى جانب استضافة خبراء في مجالات الإعلام الرقمي والأمن المعلوماتي لشرح آليات التلاعب وكشفها للرأي العام. وتزامن ذلك مع جهود رسمية لتعزيز الوعي الرقمي، خاصة بين فئة الشباب، باعتبارهم الأكثر تعرضًا للمحتوى الإلكتروني.
في الوقت نفسه، يشير خبراء الإعلام إلى أن ما يُعرف بـ"حروب الجيل الرابع" لم تعد تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على إضعاف الدول من الداخل عبر نشر الشائعات وزعزعة الثقة في المؤسسات. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الحملات الإعلامية الممنهجة باعتبارها جزءًا من سياق أوسع يستهدف استقرار المجتمعات.
ورغم استمرار هذه المحاولات، فإن المؤشرات العامة تكشف تراجع تأثيرها مقارنة بالسنوات الأولى، وهو ما يعكس تغيرًا حقيقيًا في وعي الجمهور المصري. فالمواطن الذي كان يتلقى المعلومة بشكل سلبي، أصبح اليوم أكثر نقدًا وتحليلاً، وأقل قابلية للانجرار وراء المحتوى غير الموثوق.
الخلاصة أن معركة الوعي لم تعد مجرد صراع بين روايتين، بل أصبحت اختبارًا لقدرة المجتمعات على التمييز بين الحقيقة والزيف. وفي الحالة المصرية، يبدو أن هذا الاختبار قد أفرز واقعًا جديدًا، عنوانه أن الوعي الشعبي يمكن أن يكون الحصن الأقوى في مواجهة حملات التضليل، وأن "صناعة الوهم" مهما بلغت أدواتها، تظل عاجزة أمام مجتمع يمتلك إرادة الفهم وقدرة التحقق.



















