×
24 ذو الحجة 1447
10 يونيو 2026
الجمهورية الجديدة
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير: مرتضى أبوعقيل
الدين والحياة

حسن محمود حفني يكتب : أسرار بناء الإنسان: لماذا لم يبدأ لقمان الحكيم بتغيير العالم بل بدأ بتربية الإنسان؟

الجمهورية الجديدة

من المشاهد التي كلما عدت إليها شعرت أن القرآن لا يحكي لنا قصة رجل حكيم عاش منذ آلاف السنين بقدر ما يضع أمامنا صورة لأزمة يعيشها الإنسان في كل عصر.

مشهد أب يجلس مع ابنه.
لا يملك جيشًا.
ولا يصنع حضارة.
ولا يتحدث عن السياسة ولا عن الأسواق ولا عن أخبار الناس.

فقط أب يجلس مع ابنه.
لكن العجيب أن هذا المجلس الصغير ظل حيًا إلى يومنا هذا بينما ضاعت أسماء ملوك وأغنياء وعظماء كثيرين.

وهنا بدأت أتساءل: ما الذي أراد القرآن أن يقوله لنا من خلال هذا المشهد؟

اقرأ أيضاً

ولماذا لم يحفظ لنا القرآن بيت لقمان ولا تجارته ولا مقدار ماله ولا تفاصيل حياته؟

بينما حفظ لنا كلماته؟

ولعل الجواب الذي ازددت يقينًا به مع الأيام أن أعظم ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما يملكه.

بل ما يبنيه في القلوب.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن لقمان لم يبدأ مع ابنه بما يبدأ به كثير من الناس اليوم.

لم يحدثه عن التفوق.
ولا عن جمع المال.
ولا عن الشهرة.
ولا عن النجاح.
ولا عن كيف يصبح أقوى من غيره.

بل بدأ من شيء لا تراه العيون.
بدأ من القلب.
قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

وكأن أول ما يحتاجه الإنسان قبل أن يعرف كيف يعيش مع الناس أن يعرف كيف يقف بين يدي الله.

فكل شيء يبدأ من هنا.

لأن القلب إذا ضاع منه الأصل ظل يبحث عن الطمأنينة في كل شيء ولن يجدها.

وقد يملك الإنسان أشياء كثيرة ويظل يشعر أن شيئًا ما ينقصه.
وقد يحقق نجاحًا يراه الناس كبيرًا بينما يعيش داخله فراغًا لا يفهم سببه.

ولعل السبب أن الإنسان لا يعيش بالظاهر وحده.
بل يعيش بما استقر في قلبه.

ثم تأتي الوصية بالوالدين.
وهنا وقفت طويلًا.
فبعد حق الله مباشرة يأتي حق من كانا سببًا في وجود الإنسان.

قال الله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.

وكأن القرآن يريد أن يخرج الإنسان من سجن الأنا.

فلا ينسى فضل من تعبا من أجله.
ولا يتعامل مع الحياة وكأنه صنع نفسه بنفسه.

ثم تأتي الآية التي أراها من أعجب آيات التربية.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.

وهنا تعلمت شيئًا أراه من أعظم ما يحتاجه الناس في زماننا.
أن الاختلاف لا يبرر القسوة.

وأن الثبات على الحق لا يعني فقدان الرحمة.

وأن الإنسان يستطيع أن يرفض الخطأ دون أن يفقد أخلاقه.

ثم ينتقل لقمان إلى بناء الضمير.

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.

وكلما قرأت هذه الآية شعرت أن لقمان لا يربي ابنه على الخوف من الناس.

بل على الحياء من الله.
فالإنسان الذي يحتاج إلى العيون حتى يستقيم سيبحث عن المعصية إذا غابت العيون.

أما الذي استيقظ قلبه بمراقبة الله فسيحمل رقيبه معه أينما ذهب.

ثم تأتي الصلاة.
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾.

ولم يقل له تعلم كيف تنجح.
ولم يقل له تعلم كيف تنتصر.

بل علمه أن يبقى موصولًا بالله.
لأن الإنسان قد يتعبه العالم كله.

لكن خمس لحظات صدق بينه وبين ربه قادرة أن تعيد ترتيب أشياء كثيرة داخله.

ثم يأتي الإصلاح.
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.

لكن لقمان يعلم أن الإصلاح ليس طريقًا مفروشًا بالورود.
ولهذا قال:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

وكأن من يريد أن يغير نفسه أو يغير شيئًا من حوله ثم يظن أن الطريق سيكون بلا تعب لم يفهم الحياة بعد.

ثم يختم لقمان وصاياه بشيء يفسد كثيرًا من الأعمال الجميلة إذا غاب.
الأدب.
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.

فكم من علم أفسده الكبر.
وكم من عبادة أفسدها العجب.
وكم من نجاح أفسده التفاخر.

ثم تأتي التفاصيل التي قد يظنها البعض صغيرة.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾.

وهنا تتجلى عظمة التربية القرآنية.
فالقرآن لا يبني شعائر فقط.
ولا يبني معلومات فقط.

بل يبني الإنسان كله.
يبني قلبه.
وضميره.
وعلاقته بربه.
وعلاقته بوالديه.
وعلاقته بالناس.

بل حتى طريقته في المشي والكلام.

ولهذا كلما تأملت وصايا لقمان ازددت يقينًا أن أزمة الإنسان في زماننا ليست أنه لا يعرف.

بل أنه يريد الثمار قبل الجذور.
يريد الطمأنينة دون معرفة الله.
ويريد الأخلاق دون تزكية.
ويريد التأثير دون صبر.
ويريد النجاح دون بناء.
ويريد أن يصل دون أن يتغير.

ولهذا يتعب كثير من الناس.
ليس لأنهم يسيرون في الطريق الخطأ دائمًا.
ولكن لأنهم يبدأون من المكان الخطأ.

أما لقمان الحكيم فلم يبدأ بتغيير العالم.
لأنه كان يعرف أن العالم لا يتغير إلا حين يتغير الإنسان.
وكان يعرف أن الإنسان لا يتغير من الخارج.
بل يبدأ كل شيء من الداخل.

ولهذا بقيت كلماته حية.
لأنها لم تكن وصفة للنجاح.
بل كانت مشروعًا لبناء الإنسان.

أسرار بناء الإنسان لماذا لم يبدأ لقمان الحكيم بتغيير العالم بل بدأ بتربية الإنسان؟

استطلاع الرأي

أسعار الذهب

متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
عيار 24 بيع 2,526 شراء 2,537
عيار 22 بيع 2,315 شراء 2,326
عيار 21 بيع 2,210 شراء 2,220
عيار 18 بيع 1,894 شراء 1,903
الاونصة بيع 78,550 شراء 78,905
الجنيه الذهب بيع 17,680 شراء 17,760
الكيلو بيع 2,525,714 شراء 2,537,143
سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى

مواقيت الصلاة

الأربعاء 05:54 صـ
24 ذو الحجة 1447 هـ 10 يونيو 2026 م
مصر
الفجر 03:08
الشروق 04:53
الظهر 11:54
العصر 15:30
المغرب 18:56
العشاء 20:28