التعدين في مصر… تاريخ عريق وفرص واعدة
يُعدّ قطاع التعدين في مصر واحدًا من أعرق الأنشطة الاقتصادية في تاريخ البشرية، إذ ارتبطت بداياته بالحضارة المصرية القديمة التي أدركت مبكرًا قيمة الموارد الطبيعية واستثمرتها في بناء واحدة من أعظم حضارات العالم. فمنذ آلاف السنين، عرف المصري القديم طريقه إلى مناجم الذهب في الصحراء الشرقية، واستخرج النحاس والفيروز من سيناء، واستخدم الأحجار الطبيعية مثل الجرانيت والحجر الجيري في تشييد المعابد والأهرامات، مستعينًا بأدوات بسيطة لكنها فعّالة، وبخبرة تراكمت عبر الأجيال، حتى أصبحت مصر تُعرف قديمًا بأنها "أرض الذهب".
ومع دخول العصر الحديث، شهدت صناعة التعدين في مصر تحولًا مهمًا خلال عهد محمد علي باشا، الذي سعى إلى بناء دولة قوية قائمة على أسس اقتصادية وصناعية حديثة، فبدأت أولى المحاولات المنظمة لاستغلال الثروات المعدنية بأساليب علمية مستوحاة من أوروبا، وتم إدخال تقنيات أكثر تطورًا نسبيًا في استخراج بعض الخامات، خاصة الحديد والفحم، بهدف دعم الصناعات الناشئة آنذاك. ورغم أن تلك الجهود لم تبلغ مستوى الطموح الكامل، فإنها وضعت حجر الأساس لتطور هذا القطاع لاحقًا.
ومع منتصف القرن العشرين، دخلت مصر مرحلة جديدة من تنظيم واستغلال ثرواتها المعدنية، حيث تأسست هيئة الثروة المعدنية لتكون الجهة المسؤولة عن إدارة هذا القطاع الحيوي، وتوالت عمليات البحث والاستكشاف، ما أدى إلى اكتشاف كميات كبيرة من الخامات المتنوعة. وقد شهدت السنوات الأخيرة طفرة ملحوظة مع تحديث القوانين المنظمة للتعدين وجذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في مجال الذهب، الذي عاد ليتصدر المشهد من جديد من خلال مشروعات كبرى مثل منجم السكري في الصحراء الشرقية.
وتتميز مصر بتنوع كبير في ثرواتها المعدنية، حيث تضم باقة واسعة من المعادن الفلزية مثل الذهب والحديد والنحاس والمنجنيز، إلى جانب المعادن اللافلزية التي تمثل عصبًا رئيسيًا لعدد من الصناعات، وعلى رأسها الفوسفات والحجر الجيري والكاولين ورمال الزجاج والجبس. ولا تقتصر أهمية هذه الخامات على قيمتها الاقتصادية المباشرة، بل تمتد لتشمل دورها الحيوي في دعم صناعات استراتيجية مثل الحديد والصلب، والأسمنت، والأسمدة، والزجاج، والسيراميك، والصناعات الكيماوية، وهي صناعات تمس حياة المواطن بشكل يومي وتسهم في دفع عجلة التنمية.
اقرأ أيضاً
وحيد فتحي الجعفراوي.. مسيرة إدارية ناجحة في منطقة الغربية الأزهرية وامتداد لعطاء والده الشيخ فتحي الجعفراوي
توتر في الخليج يهدد إمدادات الطاقة عالميًا.. واشنطن تتحرك لتأمين مضيق هرمز وتحذيرات من أزمة وقود في آسيا
افتتاح منفذين جديدين لجهاز «مستقبل مصر» بالغربية لتوفير السلع بأسعار مخفضة
جامعة كفر الشيخ تحتفي بالطلاب المتميزين وتكرم العاملين بالمدن الجامعية
محمود الليثي يكتب: مصر بين الأمن المائي والزراعة الذكية والرؤية الوطنية لتحقيق الاستدامة والإنتاجية
لجنة الدراما بالإعلام الأعلى: إشادة بتطور دراما رمضان وتأكيد على ضرورة ترسيخ القيم المجتمعية في الأعمال الفنية
مصارحة في توقيت دقيق.. رسائل الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية ترسم ملامح المرحلة المقبلة
موقعة رادس تشتعل بين الأهلي والترجي.. تعليمات حاسمة من توروب قبل صدام العمالقة في ربع نهائي أفريقيا
ضربات رقابية مفاجئة بالبحيرة.. ضبط 13 مخالفة و1000 أسطوانة بوتاجاز قبل تهريبها و«طن دقيق مجهول المصدر»
وزيرة التضامن تفتتح المقر الجديد لمؤسسة «راعي مصر» بحضور نجوم الفن.. دعم متواصل للأسر الأولى بالرعاية
مصر تدعو لتكاتف الإعلام العربي في مواجهة الروايات المضللة حول الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة
الشاشة تتحول إلى منصة لصناعة الوعي وحماية الهوية ... وإشادات برلمانية واسعة بأعمال الموسم… والنواب: الدراما الهادفة تواجه الشائعات وتعيد الاعتبار لقيم الأسرة المصرية
وعلى صعيد تقدير الاحتياطيات، شهدت مصر تطورًا كبيرًا بين الماضي والحاضر؛ فبينما اعتمد المصري القديم على الخبرة والملاحظة في تحديد مواقع الخامات، دون حسابات دقيقة للاحتياطي، أصبحت الدراسات الحديثة تعتمد على أحدث التقنيات في المسح الجيولوجي والجيوفيزيائي، بما يسمح بتقدير كميات الخامات بدقة عالية، وتحديد جدواها الاقتصادية قبل البدء في استخراجها. وقد ساهم ذلك في رفع كفاءة الإنتاج وتعظيم العائد من الموارد الطبيعية، في ظل سعي الدولة إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذه الثروات.
وفي إطار التوجه نحو المستقبل، تتبنى مصر استراتيجية طموحة لتطوير قطاع التعدين، تقوم على توسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف باستخدام التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك تقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعية، إلى جانب تحديث قواعد البيانات الجيولوجية لتكون أكثر دقة وشمولًا. كما تعمل الدولة على طرح مزايدات عالمية لجذب كبرى الشركات المتخصصة، مع توفير بيئة استثمارية جاذبة تقوم على الشفافية وتيسير الإجراءات، وهو ما يعزز من فرص تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتعدين.
إن ما تملكه مصر من تاريخ عريق في هذا المجال، إلى جانب ما تزخر به من ثروات معدنية متنوعة، يضعها أمام فرصة حقيقية لتحقيق نقلة نوعية في قطاع التعدين، ليس فقط كمصدر للدخل، بل كركيزة أساسية للتنمية الصناعية الشاملة. وبين الماضي الذي شهد بدايات هذا النشاط على أيدي الفراعنة، والحاضر الذي يشهد تحديثًا متسارعًا، يبقى المستقبل واعدًا إذا ما أُحسن استغلال هذه الموارد وفق رؤية علمية واقتصادية متكاملة.
نسأل الله أن يحفظ مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يفيض عليها من خيره وفضله، وأن يكتب لها دوام العزة والتقدم والازدهار
الأستاذ الدكتور: صلاح سالمان - أستاذ هندسة الفلزات وعلوم المواد
رئيس قسم هندسة التعدين والبترول كلية الهندسة جامعة الأزهر بنين بالقاهرة

















