حسن محمود حفني يكتب: علمُ التصوف ليس مسؤولًا عن كل ما أُلصق به من ممارسات أو أفكار
من القواعد المنهجية المستقرة في دراسة العلوم والأفكار أن أي علم لا يُحاكَم بأخطاء بعض المنتسبين إليه، وإنما يُعرَف من أصوله وقواعده ومقاصده. ومع ذلك فإن هذه القاعدة كثيرًا ما تغيب عندما يكون الحديث عن التصوف، حيث تختلط عند كثير من الناس حقيقة العلم بما نُسب إليه عبر التاريخ من ممارسات واجتهادات وتصرفات فردية.
لقد أصبح الجدل حول التصوف في أحيان كثيرة جدلًا حول صور ذهنية أكثر منه نقاشًا حول حقيقة هذا العلم وأصوله. فهناك من ينظر إليه من خلال بعض الممارسات التي رآها أو سمع عنها، وهناك من يرفضه بناءً على تصرفات أفراد أخطأوا في فهمه أو تطبيقه، بينما يغيب عن الطرفين سؤال أساسي: هل هذه الممارسات تمثل التصوف فعلًا أم تمثل فهم بعض المنتسبين إليه؟
والحقيقة أن هذه الإشكالية لا تخص التصوف وحده، بل تكاد تكون ظاهرة إنسانية عامة. فكم من فكرة عظيمة شُوهت بسبب سوء التطبيق، وكم من علم نافع أسيء تقديمه حتى أصبح بعض الناس ينفرون منه قبل أن يتعرفوا إليه. ولهذا فإن الإنصاف يقتضي دائمًا التمييز بين الأصل وبين ما يطرأ عليه من اجتهادات أو أخطاء بشرية.
وقد عرفت التصوف أولًا من خلال البيئة التي نشأت فيها قبل أن أعرفه من خلال الكتب والدراسات. ورأيت في تلك البيئة نماذج مختلفة من الناس؛ رأيت بسطاء دفعتهم محبة الله ورسوله ﷺ إلى مكارم الأخلاق، ورأيت رجالًا كانت أفعالهم أبلغ من أقوالهم، كما رأيت اجتهادات بشرية قد تصيب وقد تخطئ. ومن هنا أدركت مبكرًا أن الخلط بين العلم وأخطاء بعض المنتسبين إليه يؤدي بالضرورة إلى أحكام غير دقيقة.
اقرأ أيضاً
الدكتور صلاح سالمان يكتب : أساتذة الجامعات.. جنود المعرفة وصُنّاع نهضة الأمم
أماني أبوالعينين تكتب : المرأة والأسرة بين الوعي والمسؤولية.. كيف نحمي المجتمع من التفكك؟
الدكتور صلاح سالمان يكتب : التخطيط الاستراتيجي في اليابان .. دروس مستفادة ومقارنة مع الواقع المصري
من حضرة سيدنا النبي محمد ﷺ إلى أهل التربية كيف كان يُبنى الإنسان؟
بالصور .. أجواء إنسانية مبهجة.. الحلوى والهدايا ترسم الابتسامة على وجوه تلاميذ “فكرية الجلاء” بطنطا خلال تقييمات نهاية العام
منخفض القطارة ومياه النيل: رؤية آمنة للتنمية بدلًا من مخاطر مياه البحر
الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي .. قراءة في أزمة المعنى وعودة الحاجة إلى التربية الروحية
تحت مظلة الأزهر الشريف.. استعدادات مكثفة لافتتاح معهد فتيات بناأبو صير بعد تطويره وتحويله إلى صرح تعليمي متكامل
مدير تعليم سوهاج يتابع انتظام امتحانات العملي للدبلومات الفنية بغرفة العمليات المركزية
التعليم الفني بسوهاج : غرفة عمليات متابعة أعمال امتحانات الدبلومات الفنية بسوهاج
د. محمد السيد وكيل وزاره التربيه والتعليم بسوهاج يعقد الاجتماع الختامي لبحث الاستعدادات النهائية لإمتحانات اخر العام ٢٠٢٥ م/٢٠٢٦ م
تعليم سوهاج يتصدر الجمهورية رقميًا ويحصد المركز الأول في “شتاء رقمي ” على مستوى الجمهورية
وعندما اتجهت إلى القراءة والبحث وجدت أن أصول علم التصوف تدور حول قضايا شغلت الإنسان في كل زمان: الإخلاص، ومحاسبة النفس، وتهذيب الأخلاق، ومجاهدة الهوى، وتربية القلب على الصدق مع الله وحسن المعاملة مع الخلق. وهي قضايا لم يفقد الإنسان المعاصر حاجته إليها رغم كل ما شهده العالم من تطور علمي وتقني.
فنحن نعيش في عصر تتسارع فيه المعرفة وتتطور فيه الوسائل بصورة غير مسبوقة، لكن الإنسان ما زال يواجه الأسئلة نفسها التي واجهها أسلافه منذ قرون: كيف ينتصر على شهواته؟ كيف يتعامل مع الغرور والحسد والأنانية؟ كيف يحافظ على توازنه النفسي والأخلاقي وسط ضغوط الحياة؟ وكيف يجد المعنى والطمأنينة في عالم يموج بالاضطراب؟
ومن هنا تبرز أهمية إعادة قراءة التراث التربوي الإسلامي بعين الباحث المنصف، لا بعين المتعصب ولا بعين الخصومة. فالتصوف، كغيره من العلوم الإسلامية، يحتاج إلى دراسة علمية تفرق بين أصوله وما أُلصق به، وبين مقاصده وما وقع فيه بعض المنتسبين إليه من أخطاء أو تجاوزات.
إن الاعتراف بوجود أخطاء بشرية في بعض البيئات الصوفية لا يعني إدانة علم التصوف كله، كما أن وجود نماذج مشرقة بين المنتسبين إليه لا يعني إعفاءه من الدراسة والنقد العلمي. فالمنهج الصحيح هو أن تُوزن الأفكار بميزان العلم، وأن تُعرض على أصول الشريعة ومقاصدها، وأن يُنظر إليها في سياقها التاريخي والمعرفي بعيدًا عن الانطباعات السريعة والأحكام المسبقة.
ولعل الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الجدل حول التصوف بقدر حاجتنا إلى مزيد من الفهم. فالفهم هو الطريق إلى الإنصاف، والإنصاف هو الطريق إلى الحقيقة. أما الأحكام التي تُبنى على الصور الذهنية أو على تصرفات الأفراد وحدها، فإنها كثيرًا ما تحجب عنا رؤية الأشياء كما هي.
إن أي قراءة جادة لعلم التصوف لا بد أن تبدأ من أصوله ومصادره ومقاصده، لا من الصور التي تشكلت عنه في أذهان المؤيدين أو المعارضين. فهناك دائمًا فرق بين العلم في حقيقته، وبين ما يضيفه البشر إليه أو ينسبونه إليه عبر الزمن، وهذا الفرق هو أول ما ينبغي أن ينتبه إليه الباحث المنصف.


















